تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان أحد عيوب «من العقيدة إلى الثورة» الإكثار من النصوص القديمة أسفل الصفحات لدرجة قسمتها إلى نصفين، القراءة في النصف الأعلى والنص في النصف الأسفل، من أجل دعوة القارئ مشاركة الكاتب في حمل همومه وإدراك تصور القدماء ومدى بعده أو قربه من حاجات العصر، حتى يقدر الكاتب في غضبه من تراث السلطة ويفرح معه بتراث المعارضة، فإن استعمال النصوص القديمة في «من النقل إلى الإبداع» أصبح على نحو أقل تخفيفا على القراء، واكتفاء بالنصوص الدالة. وإذا كانت المحاولة الأولى لإعادة بناء علم أصول الدين قد وضعت النص الخام دون تحليل أو تفتيت أو هضم أو قضم حتى يسهل ابتلاعه، تكفي مشاركة القارئ الكاتب في «سد الزور»، و«ضيق الصدر»، والإحساس بالغم، بالإضافة إلى حمل هموم العصر، فإن هذه المحاولة الثانية «من النقل إلى الإبداع» لإعادة بناء علوم الحكمة، تقوم بتحليل النص وتفتيته والإجهاز عليه وعصره وترك الخارج منه، إلا إذا كان نصا دالا بأكمله مثل نص الكندي على الاعتراف بفضل القدماء في رسالته إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى أو نص ابن رشد عن اتفاق الحكمة والشريعة في «فصل المقال». وتتفق المحاولتان في الفصل بين أعلى الصفحة الذي يحتوي على التحليل الجديد وأسفل الصفحة الذي يضم الهوامش والشواهد والنتائج الإحصائية لتحليل مضمون النصوص.

91

أعلى الصفحة مخصص للروح وأسفل الصفحة مخصص للبدن حتى لا يتم كسر الخطاب وربطه افتعالا بنصوص قديمة. تعرض المطبخ بكل عبله دون أن تكتفي بتقديم الأطباق. كان من الممكن وضع نموذج ثالث، وتقسيم الصفحة ثلاثة أقسام: الأعلى يحتوي على تحليل بنيوي للموضوع وهو الزبد، والوسط يضم تحليلات النص والتي تجمع بين النتائج والمادة المحللة وهو الحليب المتبقي، والأسفل يضم النص الخام بعبله المستقى من المصادر الأولى، ماء الحليب، حتى ولو لم تكن محققة تحقيقا علميا حديثا مثل نصوص الجامعة العثمانية بحيدر أباد الدكن. ونظرا لعدم تعود القراء على هذا الأسلوب واحتمال تشتتهم بين ما يقرءون، وصعوبة الإخراج، وتضخيم الحجم، استبعد هذا النموذج الافتراضي من أجل الاكتفاء بالصفحة المزدوجة بين التحليل الجديد أعلاها والمادة المحللة أسفلها.

أما الإشارات إلى أسماء الحكماء، فإنه تم تفضيل النسبة على الكنية أو اللقب، الكندي وليس أبو يعقوب أو فيلسوف العرب، والفارابي وليس أبو نصر أو المعلم الثاني، وابن سينا وليس أبو علي والشيخ الرئيس، والغزالي وليس أبو حامد أو حجة الإسلام، وابن رشد وليس أبو الوليد أو الشارح الأعظم. فالكنية تحول العلم إلى شخص، وقد تقلل من هيبته وثقله في التاريخ، ولا يعرفها كل القراء. واللقب يضفي عليه هيبة أكثر مما هو عليها، تقدسه وتعظمه وتمنع من نقاشه والحوار معه وتجاوزه. كما أن هذه الألقاب من صنع التاريخ ومن وضع المؤرخين في عصور متأخرة عندما تحول الماضي إلى مقدس وعز الإبداع في الحاضر، وهو ما يعارض روح «من النقل إلى الإبداع»، بل ومشروع «التراث والتجديد» كله، الذي يقوم على أن الحاضر يزخر بإمكانيات أكثر من الماضي، وأن المستقبل أغنى وأثرى من الحاضر طبقا لروح التقدم في التاريخ. (2) إغفال المراجع الثانوية

المراجع الثانوية نوعان؛ الأول دراسات المستشرقين، والثاني دراسات العرب المحدثين. وتأتي في المرتبة الثانية من أجل تصحيح حكم خاطئ. وما دام الأصل موجودا فلم الفرع؟ وما دام «من النقل إلى الإبداع» دراسة نصية للمصادر الأولى، فلم مضغ اللقمة ثانية في فم الآخرين؟ إن أهمية الاستشراق ترجع فقط إلى تحقيق النصوص كوثائق تاريخية، والتعريف بالتراث وإخراجه من بطون المكتبات القديمة استئنافا لدور الحضارة في التحقيق العلمي للتراث، بداية باليوناني ثم المسيحي في العصر الوسيط وانتهاء بالتراث اللاأوروبي في الهند والصين والعالم الإسلامي. ترجع أهمية الاستشراق إلى توفير المادة العلمية دون تحليلها، إعطاء البدن دون الروح، والنظر إلى العالم دون الله. به كل شيء ولا شيء، المعلومات دون العلم، النظر دون الرؤية، وبطبيعة الحال الماضي دون الحاضر. فالمستشرق غريب على التراث وليس من أصحاب الدار، لا يهمه احتراق المنزل ما دام يتعامل مع الرماد، ولا يهتم بالأحياء طالما يخاطب الأموات. أما التحليلات والاستنتاجات والأحكام فشيء آخر يخضع لمناهج الاستشراق وتنبع من عقلية المستشرقين. الاستشراق بهذا المعنى «موضوع دراسة» وليس «دراسة موضوع». هو في حاجة إلى مراجعة علمية دقيقة قبل استخدامه كمرجع من أجل تصحيح الأحكام أو من أجل إيجاد الدلالة الحضارية للمادة التاريخية الخام.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٣٥