تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

92

نشأت معظم الدراسات الاستشراقية قبل نشأة علوم التأويل المعاصرة والأنثروبولوجيا الحضارية. لم يقم بها فلاسفة أو مفكرون أو مثقفون وطنيون يحملون هموم الفكر والوطن، بل لغويون ومؤرخون وضعيون على طريقة القرن التاسع عشر. ليس الهدف هو إثبات الإبداع الذاتي للشعوب، بل تفريغها من مضمونها وإثبات تقليدها للغير، اليونان القديم أو الغرب الحديث في حالة دراسة الفكر العربي الحديث لنقل الأطراف إلى إبداع المركز. ما أسهل من إصدار قائمة مراجع الاستشراق من أية مكتبة عامة أو من هوامش آخر المستشرقين أو من الموسوعات والمعاجم أو من المجلات الاستشراقية المتخصصة ومؤتمرات جمعياتها السنوية، براءة من عقدة النقص أمام الاستشراق، وتأكيدا لمركب العظمة والتفوق عند الغرب. لقد بلغت الدراسات والبحوث الوطنية سن الرشد، ولم تعد في حاجة إلى هذا التحايل النفسي على الذات وعلى الآخر باسم البحث العلمي الدقيق.

93

ولا يعني الاستشراق فقط دراسة الأوروبيين لعلوم الحكمة، بل يشارك فيها أيضا بعض الباحثين والأساتذة العرب المحدثين، نصارى ومسلمين، في الجامعات الوطنية والخاصة، حتى أصبح هذا النمط من الدراسات هو العلم الذي تعطى في اجتيازه الشهادات والدرجات العلمية.

94

ولا يبحث العالم إلا همه. ولما كان همه هو إبداع المعاصرين وتجاوز نقلهم بدليل إبداع القدماء، فإن هم المستشرقين إثبات نقل القدماء بناء على نقل المعاصرين، وتأكيدا للمركزية الأوروبية القديمة عن اليونان أو الحديثة عند الغربيين المحدثين. ويمكن تحقيق هدفي موضوعيا في حين يصعب تحقيق هدف المستشرق إلا ذاتيا بناء على الأحكام المسبقة والحكم بظاهر اللغة في النصوص الفلسفية القديمة ونقص في العلم بمناهج التأويل الحديث والأنثروبولوجيا الحضارية، مع أنه تربى في الغرب وتعلم في جامعاته. ولكنه لا يستعمل ذلك كله إما كسلا أو تجاهلا. فدراسة الشرق تتم بأسهل الوسائل، اللغة والتاريخ، والتحرر الثقافي كقصد أقرب إلى الموضوعية من الغزو الثقافي كهدف.

إن الاستشراق العربي، وهو امتداد للاستشراق الغربي، إنما يقوم على التبعية للغرب والإعجاب بتقدمه، وأنه آخر ما وصلت إليه البشرية من تقدم، وأنه هو المبدع الخلاق، وما على غيره من الشعوب إلا التبعية والتقليد. وهذا إحساس بالنقص أمامه، والعجز أمام خلقه، ونسيان للإبداع الذاتي للشعوب عبر التاريخ مثل إبداع القدماء. ولو أخذ الاستشراق العربي موقفا حضاريا ذاتيا، واعتبر نفسه من الداخل وليس من الخارج مسئولا عن التطوير وإعادة البناء لتحول من استشراق عربي إلى بحوث وطنية.

أما النوع الثاني، وهو الدراسات الثانوية التي كتبها معظم أساتذة الجامعات المصرية خاصة والعربية عامة في عصر النفط ومن أجل الترقيات والإعارات والتدريس اعتمادا على كتب جامعية مقررة، فإنها لا تمثل تأليفا علميا بهدف البحث العلمي، فلا هي بالاستشراق الغربي الأصلي، ولا هي بالدراسات الوطنية المحلية. لا تحمل هموم العلم أو الوطن. يكرر بعضها أحكام الاستشراق تملقا للغرب وإحساسا بالدونية أمامه وتشدقا بالاطلاع عليه، والبعض لا يكاد يعرف اللغات الأجنبية الأصلية التي كتب بها ولم يعرفها إلا ببعض الترجمات المحلية. وتصدر أحكام مماثلة في عبارات عامة مثل تسمية علوم الحكمة الفلسفة العربية أو الحديث عن أثر اليونان في الفلسفة الإسلامية دون تحليل لمعنى الأثر ودون وعي بالنص كموضوع حضاري. مثل هذه المؤلفات هي مؤشرات على انهيار الدراسات الإسلامية والبحوث في علوم الحكمة كدليل على انهيار عام للحضارة آثر فيها خلفاء الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد على أن يكونوا متفرجين من الخارج وليسوا أصحاب دار، متكسبين بعرض القدماء وليسوا مطورين لهم، مفضلين عالم النفط الخارجي والساعات الإضافية الداخلية على محبة الحكمة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٣٦