تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك ثالثا صورة هذه العلوم في كتب التاريخ العام، الحوليات والطبقات مع الطبري وابن كثير وغيرهم، وكتب التاريخ الشامل مثل «مقدمة» ابن خلدون؛ فعلوم الحكمة في النهاية جزء من التاريخ، تاريخ العلم والعلماء على الأقل. وهي أدخل في علم التاريخ كأحد العلوم الإنسانية، وأبعد عن علوم الحكمة من داخلها أو من خارجها في تاريخ العلوم والحضارات العامة.

89

أما المنتحلات والنوادر وكل ما أبدعته الحضارة إبداعا موازيا للتاريخ، فإنه يدخل ضمن المنتحلات الدالة على قدرة الحضارة على فهم روح الوافد، ثم إنتاج نص يعبر عن روح واحدة تجمع بين الموروث والوافد. تستخدم الوافد لإعادة كتابة الموروث، وتستخدم الموروث لإعادة إكمال الوافد، وذلك مثل رسائل الإسكندر إلى أمه، ووصايا أم الإسكندر إلى ابنها، وكتاب التفاحة لأرسطو.

90

وبطبيعة الحال لا يمكن نظريا وعمليا تحليل كل النصوص؛ فلا يمكن لأي باحث الاطلاع على كل ما أنتجته علوم الحكمة من مطبوع ومخطوط، حتى ولو أمكن الحصول عليه بمزيد من الجهد والصبر والوقت. فالبحث العلمي له حدوده الزمنية والبشرية، وإلا لما أمكن إصدار حكم على أي شيء انتظارا لتوافر المادة العلمية الكاملة في كل ميدان بحثي، ولتوقف البحث العلمي إلى يوم الدين نظرا لما يكتشفه الباحثون في دهاليز المكتبات القديمة كل يوم من مخطوطات جديدة. بل إنه يستحيل البحث العلمي على الإطلاق نظرا لضياع جزء كبير من التراث القديم إلى غير رجعة. وما بقي منه لا يمثل في حالة علوم الحكمة إلا ثلثه. لم يبق إلا ما هو في الإمكان، ما هو متاح؛ فبعض المطبوع غير متاح بالنسبة لقدرات أي باحث لصعوبة الحصول عليه من خارج الأوطان في عصر أصبح فيه تبادل الكتب والمجلات العلمية أشبه بتناول المخدرات. وحتى في عصر إنشاء معاهد المخطوطات في المنظمات العربية والإقليمية. والبعض ما زال مخطوطا، مصوراته قد تكون متاحة والبعض غير متاح. والمنشور منها أكثر بكثير من غير المنشور، ويعطي مادة كافية للحكم على الفيلسوف أولا وعلى مجموع نصوص علوم الحكمة ثانيا. فأعمال الكندي والرازي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد المنشورة أكثر من الأعمال غير المنشورة إن وجدت. ولما كان المتاح المطبوع يعطي عينة ممثلة للمادة الأولى، فإن تحليله يكون ممثلا لتحليلات غير المتاح المطبوع أو المخطوط المفقود. وبالتالي يمكن إصدار أحكام عامة على التراث، علوم الحكمة نموذجا. الاستنتاجات العامة كاملة حتى ولو كانت مادة التحليل ناقصة. الروح مرئية في حين أن البدن قد تنقصه أحد الأعضاء. وهذا لا ينفي وجود الإنسان. وهو ما يسمى في المنطق بالاستقراء الناقص الذي يقوم عليه القانون العلمي دون الاستقراء التام الذي يستحيل تطبيقه إلا اعتمادا على مبدأ الاطراد في الطبيعة. ويسمى في علم أصول الفقه عند الشاطبي الاستقراء المعنوي، الذي يقوم على اطراد العلة في الفرع في حالة واحدة دون استقرائها في كل الحالات. لا يهم إذن غير المتاح من النصوص المطبوعة غير المتاحة أو المخطوطة أو المفقودة؛ فالمتاح فيه دلالة ومؤشر على غير المتاح، والحاضر يغني عن الغائب وإلا استحال الحكم انتظارا لعودة الغائب الذي قد لا يعود. يمكن إذن قياس الغائب على الشاهد. وما يشفع في ذلك أحيانا هو تكرار المادة المتاحة بحيث تتوقف أية مادة جديدة عن إضافة أية دلالة جديدة أو تغييرها أو تعديلها أو مناقضتها. بمجرد حصول الكيف تتوقف دلالة الكم، وبمجرد حصول المعنى يصبح تاما باكتمال المعنى وإن لم يكن تاما باكتمال الأمثلة. وماذا عن حريق مكتبة الإسكندرية وإغراق مكتبات بغداد، وما دمره الحريق أو العسكر، وما أتلفته غوائل الزمان؟ الروح لا تضيع، وإن ضاعت بعض أطراف البدن. حجة «الإنسان الطائر» عند ابن سينا و«أنا أفكر فأنا إذن موجود» عند ديكارت. والوعي التاريخي في النهاية مستقل عن الوثائق التاريخية، وإن كان محمولا فيها ومدونا عليها. إن عدم الاطلاع على كل النصوص حجة لا نهاية لها ولا حدود لها. فما ضاع ربما أكثر مما حفظ طبقا لما روته الأخبار عن حريق مكتبة الإسكندرية والكتب الملقاة في نهر دجلة كي تسير عليها الخيل، حتى تحولت مياه النهر إلى أحبار سوداء! ليس المهم اكتمال الوثائق، بل نوع العمليات الحضارية التي يمكن التعرف عليها بما تبقى من التراث القديم؛ فالمفهوم من المقروء عينة من المتاح المطبوع. والمتاح المطبوع عينات ممثلة للمطبوع كله. والمطبوع عينة ممثلة للمخطوطات المفقودة. والمخطوطات الموجودة عينات ممثلة للمخطوطات الضائعة والتي يمكن تحليل عناوينها لاكتشاف دلالاتها. وربما ما تم تأليفه، المطبوع والمخطوط والمفقود، ما هو إلا عينة ممثلة لمشاريع التأليف عند الحكماء التي لم تر النور. وكم من مشاريع الفكر ما زالت مطوية في أذهان أصحابها، ولها أكبر الدلالة على التحول من النقل إلى الإبداع. ولو انتظر الباحث استيفاء كل المادة لما صدر حكم عام، والأحكام العامة تتراءى من المستشرقين وغيرهم على الحضارة الإسلامية منذ قرنين من الزمان.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٣٤