86
كما ظهر الأدب المسيحي الشرقي في حضن المسلمين؛ فهو جزء من تاريخ الفلسفة الإسلامية باعتبارها النموذج الذي تمت عليه صياغة الفلسفة المسيحية منذ يحيى بن عدي ونصارى الشام الأوائل حتى بولس الأنطاكي وفلاسفة الشرق المسيحيين، بل إن الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط المتأخر تعتبر امتدادا للفلسفة الإسلامية لاعتبارها النموذج العقلي للإيمان عند أبيلار وغيرهم من الفلاسفة العقليين منذ القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر الميلادي.
فهل تشمل علوم الحكمة النمط الفكري السائد بصرف النظر عن العقيدة؟ لو كان الرد بالإيجاب لدخلت الفلسفة اليهودية ضمن الفلسفة الإسلامية. فلا فرق بين ما يقوله موسى بن ميمون وبين ما يقوله ابن رشد، ولا فرق بين ما يقوله سعيد بن يوسف الفيومي وبين ما يقوله الفارابي في الغالب. والقراءون خير نموذج للفلاسفة اليهود المسلمين، وكذلك كل أنصار النزعة العامة في الفكر اليهودي.
87
ولا فرق بين ما يقوله الفلاسفة النصارى الذين عاشوا بين المسلمين وبين ما يقوله المسلمون منذ إنجيل المصريين، وإنجيل توما، وإنجيل برنابه، حتى فلاسفة الكنيسة الشرقية وفرقها مثل اليعاقبة مرورا بآريوس الذي يقول بوحدة الأقنوم في طبيعة السيد المسيح، ويؤكدون بشريته. فالاشتراك في الحضارة يجب العقيدة. ومع ذلك تم استبعاد هذه النصوص من أجل دراسات مستقلة عن الفلسفة اليهودية العربية والفلسفة المسيحية العربية التي تشارك الفلسفة الإسلامية في نفس النسق الفلسفي والنموذج الحضاري بالرغم من محاولات الغرب المعاصرة لضمها للفلسفة الغربية في العصر الوسيط.
وهناك أيضا تدوين علوم الحكمة في كتب التاريخ والطبقات مثل «الفهرست» لابن النديم، «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لابن أبي أصيبعة، «طبقات الأطباء» للقفطي، «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي، «وفيات الأعيان» لابن خلكان، «تتمة صوان الحكمة» للبيهقي، «نزهة الأرواح» للشهرزوري، وغير ذلك من المصادر القديمة. وأهميتها في تدوين علوم الحكمة كما هي عند أهلها وفي حضارتها. وقد تكون هذه الصورة أدق من صورتها عند المحدثين، مستشرقين غربيين وباحثين عرب. والحقيقة أن هؤلاء المؤرخين ومؤلفي الطبقات ليسوا مؤرخين، بل فلاسفة حضارة، ينظرون إلى العلوم كمكونات حضارية، يحددون من خلالها رؤية حضارية بعيدا عن النزعة التاريخية في القرن التاسع عشر الأوروبي، بل إن الأخطاء التاريخية، سواء في تواريخ الميلاد والوفاة للحكماء، والنسبة الخاطئة للمؤلفات من الوافد والموروث لغير أصحابها، والنوادر المختلفة، كل ذلك له دلالاته الحضارية على الإبداع التاريخي. ولما كان «من النقل إلى الإبداع» يهدف أيضا إلى إعادة بناء علوم الحكمة من داخل الحضارة وليس من خارجها، فإن صورة هذه العلوم داخل الحضارة كما تصورها القدماء قد تساعد على إحكام صورتها الجديدة عند المحدثين. وتغني هذه المصادر عن كتب التاريخ خارج علوم الحكمة التي يتم منها عادة وضع إطار مادي للعلوم. في حين أن علوم الحكمة قد دونت تاريخها، وقرأت الآخر من منظور الأنا، بل وانتحلت نصوصا ناقصة في حضارة الآخر. فكيف لا يراسل الإسكندر أستاذه أرسطو أو أمه؟ وكيف لا يكتب أرسطو إلهيات إشراقية؟ وكيف لا يكتب اليونان فلسفة باطنية؟ وكيف لا يكتب سقراط عهدا قبل أن يموت؟
88
وهناك صورة لعلوم الحكمة في كتب الفرق، فالحكماء فرقة، أتباع سقراط وأفلاطون وفيثاغورس وأرسطو ضمن الفرق غير الإسلامية، خاصة عند الشهرستاني في «الملل والنحل». وقد تم عرض هذه الصورة في التدوين تلافيا لنقص «من العقيدة إلى الثورة»، الذي لم يتعرض لهذه الصورة؛ نظرا لأنه في نسق العقائد وليس في تاريخ الفرق.
وهناك صورة معادية لعلوم الحكمة في كتب الفقهاء المعادين للمتكلمين والحكماء والصوفية وكل اجتهاد أو إبداع إنساني بدعوى ابتعادها عن الشرع وخروجها على العقيدة ورجمها بالظن، وخطرها على العامة، وضلال الخاصة منذ محنة أحمد بن حنبل في موضوع خلق القرآن، حتى «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم، ومجموع أعمال ابن تيمية في «منهاج السنة» و«موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» و«الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق» حتى فتاوى ابن الصلاح. وقد تساعد هذه الصورة على نحو سلبي على معرفة وضع هذه العلوم من منظور فقهي خالص الذي يرفض الوافد لصالح الموروث، ويرجح أساليب القرآن على منطق اليونان. ولم يتم استعمال هذه المصادر لأنها أدخل في الفكر الفقهي؛ فالفقهاء هم حراس المدينة، دورهم في التطهير ودق نواقيس الخطر وأجراس الإنذار من أجل العودة إلى النص الخام قبل أن يعمل الاجتهاد الإنساني فيه.