وكنت قد ظننت تحت وهم مناهج التعليم ومقرراته في عصرنا وتبعيتها للاستشراق الغربي أن مؤلفات علماء الطبيعة والرياضة أدخل في تاريخ العلوم الطبيعية والرياضية منها في علوم الحكمة؛ فأعمال الكندي العلمية وكذلك رسائل الرازي وابن حيان والبيروني والحسن بن الهيثم وثابت بن قرة وأعمال حنين بن إسحاق الطبية وكذلك «القانون» في الطب لابن سينا و«الحاوي» للرازي، و«الكليات» لابن رشد، أقرب إلى تاريخ الطب عند العرب، وكذلك الأعمال الفلكية والموسيقية، كل ذلك أدخل في تاريخ العلوم عند العرب، والذي يبعد عن الحكمة الطبيعية التأملية الخالصة. وكان في مشروع «التراث والتجديد» في صياغته الأولى سيتم عرض هذه المادة في الجزء السادس من الجهة الأولى «موقفنا من التراث القديم» بعنوان «العقل والطبيعة» محاولة لإعادة بناء العلوم الرياضية والطبيعية. ثم أضيف إليها «الوحي» في عنوان ثلاثي الإيقاع: «الوحي والعقل والطبيعة» يخرج عن ثنائية الإيقاع المتبع في باقي الأجزاء. ثم جاء التردد نظرا لأنها أصبحت مهنة خاصة لها متخصصوها. أصبحت موضوعا لعلم خاص ومعاهد خاصة في تاريخ العلوم، كجزء من تاريخ العلم العام تحت بند «تاريخ العلوم عند العرب». يرث ما قبله عند اليونان والشرق القديم، ويرثه من بعده في تاريخ العلم الغربي الحديث. ثم تبدد هذا الوهم بعد دراسة الحكمة الطبيعية، وأنها تشمل كل هذه العلوم الرياضية، الحساب والهندسة والموسيقى والفلك والكيمياء، بل والجغرافيا باعتبارها علم طبقات الأرض، والتاريخ نظرا لسيادة النظرية الجغرافية على تفسير أمزجة وطبائع الشعوب. ولا عجب أن يضم «الشفاء» القسم الرياضي، وأن تضم رسائل إخوان الصفا القسم الرياضي كذلك. والعجيب أنه هو الجانب الذي به الإبداع الخالص دون الإحالة إلى الموروث أو الوافد والذي يتم فيه التركيز على العقل والطبيعة تنظيرا مباشرا للواقع دون رؤيته من خلال نص الأوائل أو الأواخر.
وهناك مؤلفات فلسفية أخرى لم يكتبها حكماء خلص مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، بل كتبها مؤلفون موسوعيون مثل الغزالي، الذي كان متكلما مع المتكلمين في «الاقتصاد»، وحكيما مع الحكماء في «مقاصد الفلاسفة»، و«تهافت الفلاسفة»، ومنطقيا مع المنطقيين في «محك النظر» و«معيار العلم» و«القسطاس المستقيم». وهناك أيضا الرازي، الذي كتب «الحكمة المشرقية» جامعا بين الفلسفة والكلام، كما هو الحال في علم الكلام المتأخر. أما كتب المصطلحات فإنها جزء من علوم الحكم، مثل: «اصطلاحات المتكلمين والفلاسفة» للآمدي، و«التعريفات» للجرجاني، و«كشاف مصطلحات الفنون» للتهانوي، و«أبجد العلوم» لحسن صديق خان، و«دستور العلماء» للقاضي عبد الرسول؛ فهي قمة ما وصلت إليه علوم الحكمة من تجريد؛ فالفلسفة هي المصطلح، نشأة وتكوينا واكتمالا.
وهناك أعمال فلسفية نشأت في ثنايا الفلسفة الإسلامية، ولكن باسم الفلسفة اليهودية والمسيحية. كانت الفلسفة الإسلامية النموذج الذي بنيت عليه الفلسفتان الشقيقتان؛ فقبل اتصال اليهود والمسيحيين بالمسلمين لم تكن لديهما فلسفة عقلية. عرف اليهود الدراسات التوراتية، الشروح على التوراة والتلمود والمشناه. وغلب على علومهم النقل دون العقل، والتقليد دون التجديد، فلما اتصلوا باليونان ظهر فيلون، ولما اتصلوا بالمسلمين مرة ثانية ظهر سعيد بن يوسف الفيومي، وداود بن مروان المقمس، وباهيا بن باقوده، وسليمان بن جبرول، وموسى بن ميمون، وإبراهيم بن عزرا، وغيرهم من المتكلمين والفلاسفة العقليين اليهود الذين كتبوا أعمالها إما بالعربية، أو بالعربية بحروف عبرية، أو باللغة العبرية بناء على النسق الإسلامي أو الكلامي أو الفلسفي. ومنهم من تحول إلى الإسلام مثل ابن السموأل الذي كتب «بذل المجهود في إفحام اليهود» وأبو البركات البغدادي (ابن ملكا) صاحب «المعتبر في علوم الحكمة». ومنهم من تحول إلى الإسلام ثم ارتد إلى دين الآباء كما تنقل الروايات عن موسى بن ميمون صاحب «دلالة الحائرين». فهل تعتبر هذه الأعمال نصوصا في علوم الحكمة أم تظل أقرب إلى الفلسفة اليهودية؟ وهل يحلل «ينبوع الحياة» مثل «النجاة»، ويحل «دلالة الحائرين» مثل «فصل المقال»؟ وماذا عن باقي أعمال موسى بن ميمون في شروحه على التوراة والمشناه والوصايا العشر، هل هي أدخل في النموذج الإسلامي أم في التطبيق العبري؟ والحقيقة أن العامل الحاسم في ذلك هو مضمون النص بالإضافة إلى انتماء صاحبه الديني؛ فكتاب «المعتبر» داخل في علوم الحكمة لأن صاحبه اعتنق الإسلام وظل على اعتناقه، كما أن مضمونه في بنية ابن سينا الثلاثية لعلوم الحكمة. أما من ظل يهوديا مثل ابن جبرول أو من ارتد إلى اليهودية بعد أن اعتنق الإسلام فهو أقرب إلى الفلسفة اليهودية، حتى ولو كانت متبنية للنسق الإسلامي.