77
مشروع «التراث والتجديد» يعيد بناء العلوم القديمة كأنساق كما تم ذلك من قبل في «من العقيدة إلى الثورة» كأنساق للعقائد وليس كتاريخ للفرق الكلامية المسماة في معظمها بأسماء رؤساء أصحابها. وعلوم الحكمة علم متكامل له نسقه بصرف النظر عن أشخاص المتكلمين والفلاسفة.
ولما كان أحد عيوب «من العقيدة إلى الثورة» هو الإسهاب، وأي قارئ يستطيع قراءة خمسة مجلدات، حتى ولو كان مؤلفها القاضي عبد الجبار صاحب العشرين مجلدا في «المغني في أبواب التوحيد والعدل»؟! ومن ثم كانت الخطة الأولى أن يأتي «من النقل إلى الإبداع» في مجلدين: الأول «النقل»، والثاني «الإبداع». الأول عن الحكمة النقلية، والثاني عن الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية. الأول تحليل للنصوص والثاني تركيب لها. الأول رصد للوافد، نقلا وتعليقا وشرحا وتلخيصا وعرضا، والثاني تفاعل الوافد والموروث تأليفا وإبداعا ونسقا. الأول يغلب عليه المنهج التاريخي ومنهج تحليل المضمون، والثاني يغلب عليه المنهج البنيوي ومنهج قراءة النصوص. الأول حفر البئر والثاني تفجير النفط بلغة أغنياء العصر. للموضوع إذن مرحلتان: الأولى رد الاعتبار إلى الفلسفة وإلى دورهم الحضاري في تمثل الوافد واستعماله للتعبير من خلاله عن الموروث؛ فقد كانوا زعماء حداثة. والثانية الحوار معهم، فكرا لفكر، وندا لند، وعصرا لعصر. الأولى نقل الخارج إلى الداخل، والثانية نقل الداخل الماضي إلى الداخل الحاضر. هناك إذن استدراك على ما فات، وتقدم من المجلدات الخمسة في «من العقيدة إلى الثورة» إلى مجلدين في «من النقل إلى الإبداع». ومجلدان بالنسبة لمجلدات «الشفاء» التي تفوق العشرة تقدم بالنسبة إلى كم القدماء. إن ضخامة إنتاج القدماء وبعض المحدثين لأن كلا منهم لديه مشروع متكامل وليس مجرد كتاب مقرر غير مترابط، ولا هدف له كمتطلب حرفة وليس لتحقيق رسالة. ومشروع «التراث والتجديد» به هذا النفس الطويل من القدماء، من «المغني في أبواب التوحيد والعدل» للقاضي عبد الجبار، ومن «الشفاء» لابن سينا، ومن «إحياء علوم الدين» للغزالي، ومن كتب التفسير والحديث والفقه المطولة. وفي كلتا الحالتين، القراء هم الضحايا. الأول يبدأ من صورة الفكر، النقل، والثاني يتعامل مع مضمونه، الإبداع. ولا تقل معرفة شكل الفعل عن مضمونه؛ فالفكر شكل ومسار واستدلال قبل أن تكون له مادة أو موضوع. الأول يحفر ويؤسس والثاني يبني ويشيد. الأول يستقرئ الجزئيات، والثاني يستنبط الكليات. الأول يغلب عليه النقل وتحليل المادة القديمة، والثاني يحاول الخروج من النقل إلى الإبداع عن طريق القراءة.
وكالعادة، وكما حدث في «مقدمة في علم الاستغراب» عندما تضخم وصف تكوين الوعي الأوروبي عن فصل واحد إلى خمسة فصول عن المصادر، والبداية، والذروة، ونهاية البداية، وبداية النهاية، تضخم النقل في وصف كيفية انتقال الوافد وتحوله إلى موروث عقلاني جديد من مرحلة الترجمة إلى التعليق إلى الشروح الثلاثة: الكبير والمتوسط والصغير، كما فعل ابن رشد، ثم إلى العرض ومراحله من العرض الجزئي إلى العرض الكلي إلى العرض النسقي والعرض الأدبي ثم إلى التأليف، حيث يتفاعل الوافد والموروث في مراحل متعددة ابتداء من تمثل الوافد وحده ثم تداخل الوافد والموروث، مرة مع أولوية الوافد ومرة مع أولوية الموروث حتى يختفي الوافد كلية وتصبح الأولوية للموروث في النهاية كما كانت الأولوية للوافد في البداية، وأخيرا إلى الإبداع الخالص حيث يختفي الوافد والموروث كلية ولا يعتمد العقل إلا على ذاته في إبداع نص فلسفي لا يحيل إلا إلى ذاته، وغالبا ما يكون هو النص العلمي الرياضي والطبيعي وأقل من ذلك النص الفلسفي. فلزم فصل هذه المراحل كلها في مجلد مستقل انفصل عن النقل وتولد منه، وهو «التحول». ولم يضف القدماء «النقل» ولا «التحول» كجزء من الحكمة؛ فالأوراق والثمار لا ترى جذورها، والرجولة لا ترى الطفولة، إنما يفضل ذلك الزارع الذي رأى الشجرة وهي تنمو وعالم النفس الذي درس طفله أو أطفال الآخرين من الطفولة إلى الرجولة.