إنشاء بنية جديدة في حالة وصول التجديد إلى أقصى حالاته وأبعد حدوده، وخلق نص فلسفي جديد لا يكون فقط إعادة قراءة «الشفاء» أو إعادة إنتاجه من جديد، بل خلق «الشفاء» الثاني موازيا للأول وكأن ابن سينا قد بعث من جديد بعد ما يقرب من ألف عام، مستبدلا بأرسطو هيجل، وبسقراط هوسرل، وربما بالطبيعيين الأوائل وبالمدارس الأخلاقية بعد أرسطو كارل ماركس. وبدلا من أن تكون الحكمة ثلاثية: منطقية وطبيعية وإلهية، تكون أيضا ثلاثية: الشعور الخالص، والشعور بالآخرين، والشعور بالعالم، ثلاث دوائر متداخلة، مركزها الوعي، وحولها دائرتان، الدائرة الإنسانية وعالم الأشياء كما هو الحال عند هوسرل.
73
وبدلا من أن تنتهي الحكمة بالإلهيات، وتتوزع الإنسانيات، بدأها إخوان الصفا تحت اسم الناموسيات أو الشرعيات من أجل تلبية مطلب ناقص في عصرنا؛ ومن ثم تبرز الحكمة العملية ابتداء من الأخلاق والسياسة والتاريخ.
74
كما يمكن إبداع نص جديد كلية بتجاوز حكمة القدماء وبنيتها الثلاثية القديمة أو الجديدة إلى بنية أخرى نظرا لتعامل الحكيم الآن مع الغرب الحديث. قد تكون الحكمة أيضا ثلاثية: المثالية والواقعية وفلسفات الحياة (الإرادية أو العملية أو الوجودية) الرئيسية في الفلسفة الغربية كما كشف عنها الوعي الأوروبي.
75
خامسا: التبويب والأسلوب (1) التبويب الموضوعي
عادة ما يتم التبويب، خاصة إذا ما استعمل المنهج التاريخي التقليدي، عن وعي أو عن لا وعي، على نحو تاريخي زماني ابتداء من عصر الترجمة وانتقال التراث اليوناني إلى العالم الإسلامي، من المركز إلى الأطراف، ثم توالي الفلاسفة، واحدا تلو الآخر، ابتداء من فلاسفة المشرق: الكندي (252ه)، والفارابي (339ه)، وابن سينا (482ه)، ونهاية بفلاسفة المغرب: ابن باجة (533ه)، وابن طفيل (581ه)، وابن رشد (595ه)، ولا يكاد يذكر شيئا عن أبي بكر الرازي (313ه) أو الرازي صاحب الحكمة المشرقية (606ه)، وأبو البركات البغدادي (547ه)، وأبو الحسن العامري (391ه). ولا يكاد يذكر شيئا عن المترجمين الفلاسفة، مثل: يحيى بن عدي (364ه)، وثابت بن قرة (288ه)، وابن ناعمة الحمصي (القرن الثالث) وغيرهم. ولا يكاد يذكر شيئا عن الفلاسفة بعد ابن رشد نظرا لازدهارهم عند الشيعة في إيران، مثل: الطوسي (672ه)، ملا خسرو (885ه)، صدر الدين الشيرازي (1059ه)، وغيرهم. ولما كانت الشخصيات لا تضع حكمة، بل تعرض وتصف، فإن التبويب طبقا للأشخاص هو أسهل أنواع التبويب وأسوؤها في آن واحد، وأدلها على الكسل والترهل العقلي. وبالرغم من أن كل فيلسوف يمثل عصرا إلا أن العصر أدل من الفيلسوف. والفيلسوف كاشف للعصر وأدل عليه وليس صاحب مذهب فردي خاص به. وقد ارتبط الفيلسوف بالمذهب لدرجة اشتقاق اسم المذهب من اسم الفيلسوف مثل السينوية والرشدية كما حدث من قبل في علم الكلام من اشتقاق اسم الفرقة عادة من أسماء رؤسائها.
76
وبهذه الطريقة في التبويب بحجة المنهج التاريخي يتم تقطيع الموضوعات وتجاهل البناء واستحالة التفكير على علوم الحكمة، وكأن الباحث عارض سيئ لأجود بضاعة. كما يستحيل استيفاء حق كل فيلسوف في كم متناسب نظرا لاختلاف الأهمية، ولعظم أهمية ابن رشد على الكندي، وابن سينا على ابن طفيل، والفارابي على ابن باجة. وفي كل الحالات يغفل هذا التبويب ظروف العصر التاريخية والإطار الاجتماعي للمعرفة، وكأن الفلاسفة نجوم مضيئة في ليل بهيم.
أما التبويب الموضوعي فإنه التبويب الفلسفي المطابق لعلوم الحكمة في مرحلة الذروة، مرحلة «الشفاء»، والذي استمر بعده حتى ابن خلدون. يكشف عن البناء، ويدعو الباحث إلى التفلسف، وإلى أن يصبح جزءا من موضوعه، من الداخل وليس من الخارج، من أهل الدار وليس من المتفرجين أساتذة الجامعات العرب أو الغرباء المستشرقين. وهو التبويب الذي يقوم على تجميع الموضوعات، والكشف عن البناء. قد يصعب ذلك في الكندي والفارابي وابن رشد ويسهل في ابن سينا الذي وضع البنية الثلاثية لعلوم الحكمة وعند إخوان الصفا الذين وضعوا البنية الرباعية لها. ومع ذلك يمكن تجميع موضوعات السابقين واللاحقين لابن سينا في بنية «الشفاء»، وجمع المتناثر المتفرق في كل واحد متجانس. التبويب الموضوعي هو الذي ينبثق من الموضوع ذاته وهو يتخلق في الوعي الفردي والوعي الجماعي، ويتحول إلى بنية للحضارة. وهو التبويب الطبيعي الذي يصاحب الأشياء. التبويب والموضوع شيء واحد. التبويب موضوع مرئي، والموضوع تبويب ذهني. وهو لا يبتعد كثيرا عن تبويب القدماء وقسمة ابن سينا الحكمة إلى نظرية وعملية. النظرية تشمل المنطق والطبيعيات والإلهيات. والعملية تضم الأخلاق والسياسة وتدبير المنزل. وهذه البنية وراء كل حكمة يونانية أو إسلامية أو غربية. وصلت إليها الفلسفة الغربية الحديثة في مرحلة الذروة عند هيجل عندما قسم الفلسفة إلى منطق، وفلسفة للطبيعة وفلسفة للروح.