78
ولما تضخمت الحكمة العملية وخشيت أن تنفصل إلى جزء رابع، وبالتالي يكاد يقترب «من النقل إلى الإبداع» من الهم الكمي السباق في «من العقيدة إلى الثورة» وخروجا على قاعدة القسمة الثلاثية: ثلاثة مجلدات، كل منها ثلاثة أبواب، كل منها ثلاثة فصول، جاء البابان الثاني والثالث في المجلد الثالث، كل منهما في أربعة فصول. الباب الثاني الحكمة النظرية في أربعة فصول: المنطق والطبيعات والإلهيات والإنسانيات إبرازا للنفس واستقلالها عن الطبيعات كبدن وعن الإلهيات في نظرية الاتصال بالعقل الفعال كنفس. والباب الثالث الحكمة العملية في أربعة فصول: الأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والتاريخ، إدخالا للاقتصاد في الاجتماع، وإبرازا للتاريخ كإضافة معاصرة للحكمة العملية، وإجابة على سؤال: لماذا غاب مبحث التاريخ في تراثنا القديم؟
79 (2) الأسلوب المباشر
ليست الحكمة فقط معاني وتأملات، بل هي وسائل تعبير. والأسلوب المختار هو الأسلوب المباشر، وهو الأسلوب الذي يبعد عن الإنشاء والخطابة، والذي يعبر عن الأهواء والانفعالات أكثر مما يعبر عن وقائع أو حقائق تملقا لأذواق العامة. كما يبتعد عن الأسلوب المجرد الذي لا يقدر عليه إلا الخاصة للتعالي والتعالم على الجمهور وادعاء أهمية القول وضياع العالم أمام جهل الناس. وهو الأسلوب الذي يتوجه إلى جماهير القراء وبسطاء الناس الذين يجمعون بين المعرفة العامة والثقافة الخاصة. هو الأسلوب العادي الشائع الذي يتوجه إلى عموم القراء، يقدم للخاصة علوم الحكمة، ويكشف للعامة أزمة الإبداع. هو السهل الممتنع الذي اشتهر به كبار الفلاسفة، قدامى مثل سقراط وأفلاطون، ومحدثين مثل ديكارت وبرجسون. عرفه القدماء مثل أبو حيان وأبو سليمان السجستاني. يدرك أهمية العرض النظري المجرد، وفي نفس الوقت أهمية الصورة الفنية. يخاطب العقل والخيال، ويستعمل المقولات والصور.
80
كيف يمكن إيجاد أسلوب يتجاوز تجريد «الشفاء» وملله؟ وهو أسلوب لا شخصي لا يذكر أسماء الأعلام إلا اضطرارا حتى تظل الحقائق مستقلة عن الأشخاص، ووضع كل شوائب النص هذه في الهوامش، خاصة المجلد الأول «النقل» والثاني «التحول». أما الثالث «الإبداع» فالتعامل مباشرة مع النص الذي مات مؤلفه، ويعاد إنتاجه من جديد بواسطة القارئ. مات المؤلف، عاش القارئ. والنص اللاشخصي ليس ملكا لأحد، خلية حية تتكاثر طبقا لقوانين الحياة يموت ويحيا، ويتحول إلى طاقة منتجة وفعالة في التاريخ. النص طاقة مختزنة يفجرها القارئ، قنبلة زمنية موقوتة، دفنها المؤلف في رمال الصحراء، وفجرها القارئ بعد الاصطدام بها.
81
ولا تصدر أحكام بالثناء أو بالنقد، بالمديح أو التجريح، لا على القدماء ولا على المحدثين؛ فاجتهادات الفريقين بالرغم من اختلاف الظرفين لها أجر إن أخطأت، ولها أجران إن أصابت. إنما الأحكام عندي جزء من بناء الموضوع، حكم داخلي وليست حكما خارجيا، وكأن الموضوع هو الذي يحكم على نفسه بنفسه.
82
وهذا ناتج من أن «من النقل إلى الإبداع» إعادة دراسة لموضوعات علوم الحكمة، وليس نقلا لها كما فعل الفارابي مع اليونان، يفحص صدقها، ويعيد بناءها. لا تحتوي الأحكام على رأي خاص للهجوم أو للدفاع عن هذا الفيلسوف أو ذاك، بل وضع الحكماء في منظور كلي كمساهمات متعددة لبناء صرح واحد. ليس المطلوب هو إلقاء المدح أو الذم على هذا الفيلسوف أو ذاك، تخطئة أو تصويبا، تحقيرا أو تعظيما، ولكن إعادة وضع الكل في نسق عام حاولت علوم الحكمة وضعه. الوصف المزدوج لعلاقة الأنا بالآخر سواء عند القدماء مع اليونان أو عند المحدثين مع الغرب هو في حد ذاته حكم ورأي، ولكن من الداخل وليس من الخارج. الوصف حكم غير مباشر من داخل الموضوع وليس من خارجه. وإعادة بناء الموضوع من خلال إعادة تركيب الموقف هو حكم عملي داخلي وليس حكما خارجيا نظريا، حكم التزام ومسئولية وليس حكم فرجة أو تشفي. لا يوجد تجريح أو تخوين، اتهام أو سب، طعن في أحد أو اتهام للحكماء بأنهم دوائر منعزلة عن الثقافة الإسلامية أو متفلسفة، وليسوا فلاسفة أو كفرة ملاحدة، شيعة باطنية . هناك فقط محاولة لفهم طبيعة العمليات الثقافية التي تنشأ في حالة التقاء حضارتين، الأولى ناشئة والثانية وافدة. وإذا أخطأ أحد من القدماء أو المحدثين فله العذر. كل خطأ له دوافعه وظروفه، بيئته الثقافية وجوه الحضاري. هم رجال ونحن رجال. اجتهدوا على مستوى عصرهم وثقافتهم، ونجتهد على مستوى هذا العصر وثقافته. المسئولية واحدة. بنى القدماء وأعاد المحدثون البناء.