تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

67 (2)

تحليل مكونات النص. والنص خبرة فردية لصاحبه، وخبرة جماعية لمجتمعه وثقافته وحضارته. هو نص إبداعي من خلق الذات الواعية لموقفها الحضاري. وهو نص جماعي لأن الذات الواعية كائن حضاري يعبر عن موقف حضاري؛ فمكونات النص تكشف عن مكونات الوعي الفردي والجماعي، والوعي الفلسفي والوعي التاريخي. الحضارة موقف يتم التعبير عنه وتدوينه في نص فردي وجماعي. تحليل مكونات النص إذن هو منهج لشرح النص بإخضاع النص الفلسفي لعملية تحليل قبل التأويل لمعرفة البواعث العامة للحضارة ومقاصدها.

68

ولا فرق بين الوعي الحضاري القديم في تعامله مع النص اليوناني قديما والوعي الحضاري الحديث في تعامله مع النص الغربي حديثا. هناك إذن أربعة أطراف في هذا التحليل المزدوج للنص الماضي في الحاضر وللنص الحاضر في الماضي. الأول النص اليوناني القديم، والثاني موقف القدماء منه، والثالث النص الغربي الحديث، والرابع موقف المحدثين منه. والأنا الواعي هو حلقة الاتصال بين الموقف القديم والموقف الحديث بأطرافه الأربعة، تقرأ الموقف الثنائي القديم، النص اليوناني موضوعا والقدماء ذاتا من خلال الموقف الثنائي الحديث، النص الغربي موضوعا والمحدثون ذاتا. تدرس الأنا الواعي الموقف كله ثم تبين موقع القدماء منه كما فصل القدماء عندما درسوا الموضوع ذاته وبينوا موقع اليونان منه خاصة ابن رشد. وقد تم استعمال هذا المنهج في المجلد الثاني «التحول».

وأهم مكونين للنص هما الموروث والوافد.

69

الموروث مما يأتي من الداخل، من الحضارة الناشئة، من العلوم النقلية، من علوم العرب. والوافد ما يأتي من الخارج، من الحضارة الغازية، من العلوم العقلية، من علوم العجم. ومن التفاعل بين الداخل والخارج ينشأ النص. في هذا التفاعل يبدو إبداع الذات، وتظهر عمليات الإبداع، «التشكل الكاذب»، من أجل حل قضية ازدواجية الثقافة، تغيير الوظائف، إكمال الناقص، عدل الميزان بين الأطراف، وضع الأجزاء المنتشرة في كل واحد، إيجاد نسق عقلي شامل، رؤية تطور المذاهب واكتمالها، إدراك دورات الحضارة وتعاقبها. الوافد من علوم الوسائل والموروث من علوم الغايات.

70

الوافد يعطي أدوات التعبير، والموروث هو مضمون التعبير. لو تحول الوافد من أداة إلى جوهر، ومن شكل إلى مضمون نشأت ظاهرة التغريب، وتقوقع الموروث على ذاته ما دام قد فقد أدوات تخارجه، وانغلق وتغرب معاديا الجسم الغريب الدخيل الذي أتى يزاحمه، وتجاوز وظيفة الأداة إلى حقيقة الجوهر.

ويكون تفاعل الوافد والموروث في النص نوعا أدبيا له مقوماته الذاتية وشكله الأدبي، ويتم التعامل معه كما يتعامل النقاد مع النص الأدبي. كما يجوز للفيلسوف أن يتعامل مع النص الأدبي باعتباره نصا فلسفيا. الجمالي في النص الأدبي، والإخباري في النص التاريخي، والإلزامي في النص القانوني، والإيماني العملي في النص الديني، والمعقول في النص الفلسفي.

إن النصوص التراثية كما بدت في العلوم القديمة كلها أنواع أدبية؛ فالنص الكلامي، والنص الفلسفي، والنص الفقهي، والنص الأصولي، أنواع أدبية قبل أن تكون مضمونا. فالنص الفلسفي في علوم الحكمة وحدة تحليل واحدة لا تاريخ ولا موضوعات له، بل نوع أدبي واحد في مقابل نصوص العلوم الأخرى باعتباره إبداعا حضاريا مشخصا.

وتحليل مضمون النص ليس تحليلا إحصائيا شاملا كما هو الحال في تطبيقات منهج تحليل المضمون في العلوم الاجتماعية في تحليل الخطاب، خطاب الرؤساء أو بيانات المحافظين ورجال الإعلام أو مواعظ رجال الدين؛ فالإحصائيات الكمية الصرفة دون وصف كيفي مجرد أرقام لعدد تكرار الأسماء والأفعال والحروف دون دلالة. إنما يكفي الإحصاء الدال، الكمي الكيفي. رؤية الكيف هي التي تحدد قدر الكم كما هو الحال في الاستقراء المعنوي عند الأصوليين القدماء، وهو الاستقراء الناقص الذي يفيد معنى التام في الغرب المعاصر. الإحصائيات تقريبية، قد تزيد وتنقص دون أن يؤثر ذلك على اتجاه النص العام. تحليل الخطاب ليس غاية في ذاته كما هو الحال أحيانا في العلوم الاجتماعية وفي تحليل الخطاب في الغرب المعاصر في علم اللسانيات الحديث، ولكنه وسيلة ضبط المعنى بدليل حسي لغوي مادي. تحليل المضمون لا يعطي المعنى، بل يؤكده ويبرهن عليه. ويعطي البراهين الجزئية على الحدوس الكلية، والتفصيلات التي تكمن وراء العموميات. ويكشف عن: (أ)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٢٥