ويتكون منهج تحليل النصوص من خطوات ثلاثة: (1)
وصف تكوين النص من أجل معرفة كيف تكون في التاريخ ابتداء من الحدث أو التجربة المعاشة في فترة التدوين؛ فالنص يبدأ في التاريخ من خلال وعي المؤرخ. يقع الحدث ويراه المؤرخ ويدونه بلغة ومفاهيم ورؤية، وربما ببواعث ودوافع لأنه جزء من الحدث، وله دور في التاريخ. النص ابن التاريخ دون إحدى لحظاته ثم انغلق النص، وتغيرت الأحداث، واستمر التاريخ، وتناقل الناس النصوص بعد أن تكلست واستقلت عن مسارها التاريخي، وتحولت إلى ثوابت عقلية في علوم الحكمة، ومقدسة في علم الكلام، وفي باقي العلوم النقلية، واستدلالية في علم أصول الفقه، وتوجهات عملية في علوم التصوف. والنص في علوم الحكمة يبدأ بالنقل ثم بالتحول من النقل إلى الإبداع، ثم ينتهي إلى الإبداع الخالص؛ ففي مرحلة النقل يتم استعمال الخطوة الأولى، وصف تكوين النص بداية بكيفية تدوينه في كتب تاريخ الحكمة ثم قراءتها ونقلها من ثقافة الآخر إلى ثقافة الأنا، ثم الإضافة عليها ابتداء من روحها وهو ما يسمى الانتحال. كما يبين تطور النص الانتقال من الترجمة إلى نشأة المصطلح الفلسفي إلى التعليق، أي تحرك النص المنقول إلى نص مفهوم باحتوائه وتمثله وإعادة التعبير عنه بلغة جديدة. كما يبين أيضا تذويب النص في الشرح بداية باللفظ، والتلخيص بداية بالمعنى، والجامع بداية بالشيء، حتى ينتهي تمثل النص الأول قبل إعادة عرضه وإخراجه وتوظيفه في بيئته الجديدة. وهو المنهج المستعمل في المجلد الأول «النقل».
63
ولا يتم وصف التكوين التاريخي للنص إلا بعيش الواصف التجربة التاريخية القديمة التي عاشها المترجمون والشراح والفلاسفة لإعادة بناء الموقف الحضاري القديم بناء على الموقف الحضاري الحالي؛ فوصف التكوين التاريخي للنص هو فهمه وليس مجرد بيان تركيبه.
64
والحقيقة أن الفهم لا يتم من الماضي إلى الحاضر إلا إذا كان الحاضر معاشا أولا، فتتم رؤية الماضي على أساسه. عيش الحاضر هو أساس فهم الماضي. وتجربة العصر هو أساس فهم التاريخ. لا يستطيع فهم التجربة القديمة إلا من عاش التجربة الحالية، وإلا كان كمن يقدم طبولا جوفاء لا يسمع منها إلا رجع الصدى أو كمن يتعامل مع أعاجم صماء لا يرى إلا الحركات. لا يفهم النص إلا كتجربة معاشة عند الباحث وفي الحضارة، فهم الماضي ابتداء من الحاضر، وفهم الحاضر كتراكم للماضي، وإعادة بناء الموقف القديم بناء على الموقف الحالي، رؤية الماضي في الحاضر، والحاضر في الماضي. وبالتالي تتحقق وحدة التاريخ ووحدة الحضارة، وتظهر البنية الثابتة عبر العصور.
65
وتتم الاستفادة من النموذج السابق في حل أزمة العصر، والاستفادة من علوم العصر والتجارب الحالية لفهم تجارب الماضي. لا تفهم علوم الحكمة ونشأتها في عصر الترجمة بفترتيها، الأولى في القرن الثاني والثانية في القرن الثالث عشر (التاسع عشر الميلادي) إلا بناء على تجارب معاصرة في التعامل مع النصوص الأجنبية واستئناف الحضارة مسارها في دورة ثانية. فإذا كانت الدورة الأولى قد تمت مع النص اليوناني، فإن الدورة الثانية تتم الآن منذ مائتي عام مع النص الغربي؛ فالحكيم هو الذي يقوم بالترجمة الآن من أجل احتواء النص الغربي والقضاء على الاغتراب الثقافي المعاصر. وبهذه التجربة الحضارية الجديدة يمكن فهم التجربة الحضارية القديمة عن طريق إعادة بناء الموقف الحضاري الماضي بناء على وجود موقف حضاري حالي، رؤية الحاضر في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر. هذا هو السبيل لفهم عصر الترجمة وما تلاه من شروح وملخصات أولا، وعرض وتأليف وإبداع ثانيا. النص تجربة حية عند مؤلفه ولا يفهم إلا بتجربة حية مماثلة عند قارئه.
66
وباتحاد التجربتين يتم فهم النص الأول وإعادة كتابة النص الثاني. ودون معرفة تجارب العصر وهمومه سيظل النص القديم مغلقا، نصا ميتا. قراءة النص القديم لا تكون إلا بوعي يقظ وليس بوعي غافل.