تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الباحثين، مستشرقين وعرب، من يستمد سمعته وشهرته وقيمته من الذين عكفوا على دراستهم حتى لا يكاد يذكر الباحث إلا ويذكر صاحبه.

60

وهو تقليد استشراقي لرسم شخصيات الحكماء وتحويل علوم الحكمة إلى أشخاص الحكماء. ولما كان الحكماء من غير العرب باستثناء الكندي، فالفارابي تركي، وابن سينا فارسي، وابن رشد أندلسي، أقرب إلى المغرب منه إلى المشرق، فإن العرب أو الإسلام لم يكن لهما فضل أو دور في علوم الحكمة. في حين أن «من النقل إلى الإبداع» يتجاوز أسماء الحكماء إلى علوم الحكمة ذاتها، ولا يرتبط الباحث باسم فيلسوف بل بعلوم الحكمة ذاتها، علوم غير شخصية، أحد العلوم الرئيسية في الحضارة الإسلامية.

وقد يكون العيب الرئيسي في هذا المنهج هو إغفال الإبداعات الفردية، ومساواة الفلاسفة بعضهم ببعض، والوقوع في قدر كبير من التجريد والعمومية، والانتقال بالفلسفة إلى الميتافيزيقا، ومن الموضوع إلى الذات، ومن التاريخ إلى الفكر الخالص، بل ونسيان التاريخ والنشأة لصالح الماهية والبنية. وهذا اختيار فكري ومنهجي، مثل أفلاطون أو وقائع أرسطو.

وقد لا يكون هناك تعارض بين المنهجين: التاريخي والبنيوي؛ فالتاريخ تحقيق للبنية، والبنية تتكشف في التاريخ. التاريخ بلا بنية مجرد حصر كمي ورصد خارجي بلا دلالة. والبنية بلا تاريخ ماهية مجردة، معلقة في الهواء، لا مستقر لها ولا زمان.

61

لذلك حاول الفارابي الجمع بين رأيي الحكيمين، أفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس الحكيم. ميزة قراءة كل فيلسوف على حدة الحفاظ على وحدة المذهب والرؤية بالرغم من تفكك الموضوع. وميزة قراءة الموضوع الحفاظ على وحدته بالرغم من تفكك الرؤية لكل فيلسوف. الغاية هي معرفة استقلال الموقف الحضاري ضد شبهة التقليد والتبعية وليس رصدا من من الحكماء قال هذا القول من الأقوال. (2) منهج تحليل المضمون

الفرق بين مناهج الدراسة القديمة لعلوم الحكمة، سواء تلك التي استعملها المستشرقون أو الأساتذة العرب، وبين منهج تحليل المضمون، هو أن المناهج الأولى تعتبر النص مصدرا للعلم، بينما النص في المنهج الثاني هو موضوع للعلم. النص لا يحتوي علما إلا بقدر ما يكشف عن مضمون بيان نشأته ومصدره كما يفعل المستشرقون، مجرد رد تاريخي يهدف إلى تبخير الموضوع والقضاء عليه. أما مجرد تكرار معناه فهو مجرد تحصيل حاصل كما يفعل الأساتذة العرب، لا يزيد شيئا. وكلاهما نقل دون إبداع. الأول نقل من الخارج، والثاني نقل من الداخل. الأول نقل من الخارج إلى الداخل ثم إرجاع الداخل إلى الخارج، والثاني نقل من الداخل الماضي إلى الداخل الحاضر. الأول نقل عبر الحضارات خارج الزمان، والثاني نقل عبر الزمان داخل الحضارة الواحدة. وليس النص مصدرا للمعلومات، بل هو موضوع للعلم، وهي نفس المسلمة التي قام عليها «علم الاستغراب»، الغرب ليس مصدرا لعلم، بل موضوع للعلم. لا يحتوي النص على أخبار، بل هو موضوع للتحليل. مهمة المؤرخ أو الباحث هنا نقل مهمة عالم الكيمياء. يحلل أكثر مما يركب. نقد النص سابق على استعمال النص لأنه لا يمكن استعمال النص دون معرفة مكوناته؛ فالعلم داخله وليس خارجه. ومنطق النص سابق على معنى النص لأن آليات تكوينه هو العلم به. النص نوع أدبي

Genre Literaire

تطبق عليه مناهج النقد الأدبي وليس مجرد وثيقة تاريخية، مصدرها وصحتها. الشكل الأدبي هو الذي يكشف عن عمليات إبداع النص قبل أن يكشف عنها المضمون، والتعرف على معناه. عملية إبداع النص أهم من النص المبدع؛ فالنص ما هو إلا آخر مرحلة من مراحل الإبداع، مرحلة التشيؤ والتيبس والتكلس. أما عمليات الإبداع فهو ما قبل النص.

62

هكذا تعامل القدماء أيضا مع نصوص اليونان وفارس والهند وكما نتعامل نحن مع نصوص الغرب الحديث؛ فالنص هو وحدة التحليل القياسية، سواء الأعمال كلها أم أبوابها وفصولها أم فقراتها وعباراتها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٢٣