تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56

والمنهج البنيوي يدرس علوم الحكمة، ليس كشخصيات أو مذاهب متتالية في الزمان، بل كموضوعات مستقلة أو كرؤية تركيبية أو منظور كلي واحد للعالم؛ فالحكمة إما منطقية أو طبيعية أو إلهية. المنطق آلتها أو منهجها. وتشمل الحكمة الطبيعيات والإلهيات، العالم والله. ولما كان القول الطبيعي هو نفسه القول الإلهي بلغته وألفاظه وتصوراته ومفاهيمه عن الزمان والمكان والحركة والسكون، والعلة والمعلول، على نحوين مختلفين، مرة موجبا في الطبيعة، فالعالم ذو زمان ومكان وحركة وسكون وعلة ومعلول، ومرة سالبا في الله، فالله لا زمان ولا مكان ولا حركة ولا سكون فيه. هو قول واحد مرة متجها إلى أسفل نحو العالم، ومرة متجها إلى أعلى نحو الله، مرة سلبا ومرة إيجابا، مرة على نحو نسبي ومرة على نحو مطلق، مرة على نحو حسي مشاهد ومرة على نحو غيبي عقلي. أما النفس فمحاصرة بين الطبيعيات والإلهيات؛ في الطبيعيات مرتبطة بالبدن وبالقوى النامية والغاذية والمولدة والمحركة والحساسة، وفي الإلهيات مرتبطة بالعقل الفعال أو الكلي وبالعقل المستفاد والعقل بالفعل. فلا يوجد قول مستقل في الإنسان، بل هو قول أيضا مردود إلى أسفل نحو البدن في الطبيعيات أو إلى أعلى نحو النفس في الإلهيات. الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى.

57

ويمكن دراسة هذه الموضوعات مثل الفلسفة والدين أو العقل والوحي أو النفس وقوى العقل وأنواعه أو الأخلاق والسياسة عبر الفلاسفة؛ فالمهم هو الموضوع وليس الشخص في حضارة الأشخاص فيها يكشفون الموضوع ولا يخترعونه، يصفونه ولا يضعونه.

58

ويمكن دراسة الاتجاهات العامة لعلوم الحكمة مثل العقلانية (الكندي، والرازي، وابن رشد) والإشراقية (الفارابي، وابن سينا، وابن طفيل)، كما يمكن دراسة التفكير الجماعي، بقايا الفرق الكلامية (إخوان الصفا)، ويمكن أيضا التمايز بين المدارس طبقا للمدن (بغداد، والبصرة)، أو طبقا للصقع الجغرافي (المشرق، والمغرب).

وميزة هذا المنهج اكتشاف البنيات الذهنية والموضوعية المستقلة عن الأشخاص والمذاهب وحوادث التاريخ وتطوره. يتعامل مع علوم الحكمة باعتبارها علوما مستقلة لها يقينها ووسائل التحقق من صدقها في داخل أنساقها. علوم الحكمة علوم مستقلة عن أشخاص واضعيها. التوجه نحو الطبيعة مستقل عن شخص الكندي أو الرازي أو البيروني، بل هو توجه حضاري أساسا نشأ بدافع من توجيه الوحي للذهن نحو الطبيعة. والمنطق آلة للعلوم وسابق على الطبيعات والإلهيات. أيضا لا شأن له بأشخاص الفلاسفة لأن موضوعات الحكمة ثلاثة: الإنسان والطبيعة والله، بصرف النظر عن ترتيبها، موجودة في كل حضارة بصرف النظر عن خصوصيتها، في اليونانية: سقراط (الإنسان)، أفلاطون (الله)، أرسطو (الطبيعة). وفي الغربية في العصور الوسطى: أوغسطين (الإنسان)، أنسيلم، بونافنتورا (الله)، توما الأكويني (الطبيعة). وفي العصور الحديثة: ديكارت (الإنسان)، هيجل (الله)، ماركس، فيورباخ (الطبيعة). وهي التي جعلها كانط مثل العقل الثلاثة.

59

ولو لم يظهر هؤلاء الحكماء بأشخاصهم لظهر غيرهم بأسماء أخرى. تمثل علوم الحكمة نمطا معينا من التفكير، لغة ومعنى وموضوعا. لغتها عقلية خالصة، ومعانيها عامة وشاملة، وموضوعاتها الإنسان والعالم والله. وهي نفس البنية التي ظهرت في علم أصول الدين؛ فالمنطق في علوم الحكمة يعادل نظرية العلم في أصول الدين. والطبيعيات في علوم الحكمة تعادل نظرية الوجود (الجوهر والأعراض) في علم أصول الدين. والإلهيات في علوم الحكمة تعادل الإلهيات أو العقليات في علم أصول الدين. والسمعيات أو النبوات في أصول الدين تعادل الشرعيات عند إخوان الصفا الذين ركزوا بوجه خاص على الاجتماع والسياسة والتاريخ في الناموسيات والشرعيات. كما يمتاز هذا المنهج بأنه يجعل الباحث حكيما مع الحكماء، فيلسوفا مع الفلاسفة، على نفس مستوى المسئولية. يرى الموضوع من الداخل وليس من الخارج، صاحب دار وليس مستشرقا غريبا عليه، يتفلسف مع المتفلسفين. ويعود الأستاذ ليمارس دوره كفيلسوف وليس كمؤلف كتب مدرسية مقررة للترقية أو للإعارة. فيعاد بناء المنطق والطبيعات والإلهيات بعد أن مر عليها أكثر من ألف عام، ويعاد كتابة «الشفاء» من جديد من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر في مسار الأنا، وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين في مسار الآخر، حيث يبعث ابن سينا من جديد. والتفلسف في النهاية أسهل وأمتع من البحث التاريخي الخالص والتنقيب في الآثار. وهل تتساوى الحياة والموت؟ المنهج البنيوي هو المنهج الفلسفي الداعي إلى التفكير دون التأريخ للفكر؛ فالفكر لا تاريخ له، ولا يؤرخ له، بل يفكر فيه. الفكر موضوع للتفكير وليس موضوعا للرصد والإحصاء كالأشياء.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٢٢