القدرة على الحوار مع الآخر، والتعامل معه من موقف الندية مع الاحتكام للعقل والطبيعة والتجربة الإنسانية. لم تأخذ الحضارة الناشئة دور العقيدة الجديدة المتعالية على ثقافات الغير، وهي عقيدة الفاتحين المنتصرين بناء على مركب عظمة. ونظرت لحضارات الشعوب المفتوحة نظرة دونية بناء على مركب نقص. بدأت الحضارة الناشئة بتقدير العلم واحترام العلماء؛ فهي وريث الديانات القديمة وحاملة لواء الفتح الجديد. ولا فرق بين الوحي والعقل، بين النبي والفيلسوف؛ لذلك وزن الخلفاء ثقل المخطوطات اليونانية القديمة ذهبا لإحضارها من بلاد الروم إلى عاصمة الخلافة. وانتسب النصارى إليها، وقاموا بخدمتها وترجمة التراث اليوناني من لغتهم السريانية إلى اللغة العربية. كانوا نصارى دينا، وعربا لغة، ومسلمين ثقافة. ولأول مرة في تاريخ التقاء الحضارات تحدث هذه الندية المتبادلة بين ثقافة الفاتحين وثقافة المفتوحين، بل وأحيانا لحساب ثقافات المفتوحين لغة ومثلا وتصورات، اعترافا بفضل الآخر على الحضارة الإنسانية، تأخذ البدن منه وتعطيه الروح. (3)
الوعي المستنير بالصلة بين اللفظ والمعنى والشيء، بين اللغة والفكر والعالم؛ فاللفظ مجرد أداة للتعبير، ولكنه ليس جوهر المعنى، فالمعنى مستقل عنه. اللغة مجرد شكل خارجي لمضمون الفكر، ويمكن التعبير عن نفس المعنى بألفاظ عديدة؛ فالله هو الجوهر والماهية، وواجب الوجود، والعلة الأولى، والمحرك الأول، والغاية القصوى، والخير المحض، والصورة الخالصة بألفاظ اليونان. وهو الكمال، والمثال، والمطلق، والصيرورة، والدافع الحيوي، والتطور الخالق، والحرية، والوجود، والمستقبل بلغة المعاصرين. اللفظ متغير والمعنى ثابت. والألفاظ تأتي من لغات متعددة، وتنطق بأصوات متغايرة. أما المعنى فلا يتغير من لفظ إلى لفظ أو من لغة إلى لغة. وقد تتغير التصورات والمفاهيم والرؤى التي هي تأويل للمعاني طبقا لنوعية الثقافات وخصوصية الحضارات، التحولات الدلالية للمعنى طبقا لطبائع الشعوب وأمزجتها. أما الشيء فهو الموضوع القصدي؛ فالعالم أصل الأشياء، لا خلاف عليه بين لفظ ولفظ، وتصور وتصور. العالم أصل اللغة، والأشياء منشؤها. (4)
الاعتراف بحدود اللفظ القديم الذي استعمله علماء الكلام، وأنه أصبح غير قادر على مواجهة الخارج، وإن كان قادرا على مواجهة الداخل، وأن مواجهة الخارج تتطلب ألفاظا من نوعه، وأسئلة مستمدة منه، وليس ألفاظا محلية تقليدية قديمة لا تقوى على الحداثة، وتعجز عن المعاصرة. هي ألفاظ دينية ارتبطت بدين معين، وبتراث خاص لا تقوى على رحابة العقل، وإطلاق الفكر في الوافد اليوناني. هي ألفاظ اصطلاحية مغلقة على ذاتها، يصعب الخروج منها أو الدخول إليها، ألفاظ شرعية يصعب معها الحوار والأخذ والعطاء، والتفاعل مع ألفاظ أخرى. المعنى الشرعي الاصطلاحي هو ركيزة المعنى الاشتقاقي والعرفي، هو المعنى الثابت، والعرفي هو المتحول، والاشتقاقي هو جذره الحسي في عالم الأشياء. هي ألفاظ نشأت من ثنايا الوحي، لها قدسيتها وإطلاقها، ولا يمكن تعقيلها أو تنظيرها أو حتى تأويلها. ليست ألفاظا عقلية عامة يمكن الحوار معها واستبدال بعضها بالبعض الآخر. هي ألفاظ خاصة لوحي خاص، الوحي الإسلامي، وليست ألفاظا عامة تنطبق على الوحي وعلى غيره من مراحل الوحي السابقة أو من الاجتهادات البشرية المستقلة. لا تتمتع بقدر كاف من العموم لمخاطبة الناس جميعا؛ فكل حضارة تنشأ إنما تبدأ من خصوصية المصطلحات. (5)
التسليم بعجز المصطلحات القديمة عن التعامل مع الثقافات الوافدة. لقد انتشرت هذه المصطلحات في علم الأصول وهو في مواجهة الداخل، ونجحت في كسب معاركها، ولكنها عاجزة عن مواجهة الخارج الذي يعتمد على العقل وحده، ويقدم مصطلحات عقلية صرفة. لقد تمت التضحية بالألفاظ القديمة وقصرها على علم الكلام وتبني الألفاظ الجديدة، وإنشاء علم بأكمله هي علوم الحكمة؛ فقد تجددت الحياة الثقافية، وانتشرت الثقافة الأجنبية، وأصبحت تمثل الآخر المطلق السراح تحديا للذات. لم تعد الألفاظ الاصطلاحية الخاصة قادرة على التصدي للغزو الثقافي الجديد فنشأت مصطلحات جديدة أكثر اتساعا وعقلانية، وأقدر على الحوار مع الثقافات الوافدة. (6)