تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقوم «من النقل إلى الإبداع» على فرض عمل مغاير، أن الحكماء لم يكونوا تابعين للنقل ولا نقلة عنهم، بل كانوا مبدعين، نقلوا أولا من أجل التمثل، ثم أبدعوا ثانيا تأكيدا على وحدة الثقافة. وهم ليسوا دوائر منعزلة على هامش الحضارة الإسلامية، بل مفكرون على التخوم مزدوجو الثقافة، يد في الموروث ويد في الوافد، يد تبني ويد تحمل السلاح. يقوم «من النقل إلى الإبداع» على فرض أن الحكماء كانوا ضد التغريب؛ فاليونان القديم أصل الغرب الحديث. وقف الحكماء أمام الوافد بطريقة المحاور، الند للند، من أجل استيعابه وتمثله، والأوسع نظرا يستوعب الأضيق أفقا، والأكمل تصورا يحتوي الأنقص رؤية. جمعوا بين الموروث والوافد على عكس المتكلمين الذين يتعاملون مع الموروث فحسب باستثناء المعتزلة وأصحاب الطبائع خاصة، وطوروا علم الكلام من علم داخلي إلى علم داخلي وخارجي، مدافعين ليس فقط عن الأمن في الداخل، بل أيضا عن الأمن في الخارج، فالمتكلمون نصف فلاسفة، والفلاسفة متكلمون كاملون. «من النقل إلى الإبداع» قراءة داخلية لتفاعل الوافد مع الموروث، ورد الوافد إلى وظائفه الداخلية بصرف النظر عن مصدره الخارجي وشده إلى الموروث بدلا من شد الموروث إليه؛ فالمياه في المصب لا تعود إلى المنبع. (2) جدل اللفظ والمعنى والشيء

وظاهرة التشكل الكاذب تخضع لمنطق جديد يقوم على جدل ثلاثي بين اللفظ والمعنى والشيء، يحكم الالتقاء بين الحضارات؛ فالحضارة ثقافة، والثقافة فكر، والفكر خطاب، والخطاب لغة، شفاهية أو مدونة. ولما كانت الثقافات القديمة التي وجدت على الأراضي المفتوحة نصوصا مدونة وليست فقط محادثة شفاهية تم نقلها من السريانية، لغة نصارى الشام، إلى العربية، لغة الفاتحين الجدد، أولا ثم من اليونانية إلى العربية ثانيا، إحكاما للنقل، ومنعا للتوسط من لغة ثالثة، وحتى يكون الخطأ في النقل احتمالا واحدا، من اليونانية إلى العربية، وليس احتمالين، من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية. وتدل حركة النقل على عدة أمور: (1)

الثقة بالنفس وعدم الخوف على الدين الجديد من الديانات القديمة، بل والإقبال على الثقافات السابقة في وقت لم تملك فيه الحضارة الناشئة ثقافة إلا الشعر والديانات العربية القديمة، والعادات والأعراف القبلية. كما تدل على الانفتاح على الآخرين، وأن فتوح البلدان لا تعني القضاء على ثقافاتها كما حدث في الاستعمار الغربي الحديث، بل الحفاظ عليها، والتعرف على مضمونها، ونقلها إلى لغة الفاتحين، وتقديرها واحترامها، واستخدامها كأدوات للتعبير، بل والدفاع عنها ضد سوء تأويلها والطعن فيها والنيل منها، وإكمال أوجه نقصها، والجمع بين شتاتها، وضمها كلها في منظومة واحدة، ورؤية شاملة تعبر عن تصورها للعالم، وإعطائها نسقا متكاملا، ومثالا خالدا على إبداع الثقافات. فتأكيد الهوية لا يمنع من الاختلاف، وإثبات الأنا لا ينفي الآخر، وتأصيل الذات لا يكون على حساب الغير، وليس كما يحدث هذه الأيام من انغلاق للأنا على ذاتها باسم الدفاع عن الهوية والأصالة، والخصومة مع الغير والعداء للآخر باسم تأكيد الأنا وإثبات الذات؛ فانغلق الأنا وانعزل الآخر، وحدث الشقاق في الأمة، وازدوجت الثقافة، ونشأ الصراع بين الأخوة الأعداء؛ بين السلفية والعلمانية، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والتجديد، بين العقيدة والثورة. ظاهرة «الشكل الكاذب» مجرد افتراض عقلي قادر على تفسير جدل اللفظ والمعنى والشيء في حالة الالتقاء الحضاري بين ثقافتين، مجرد ظاهرة لغوية لا تمس الإحساس أو الوجدان أو الفكر والنظر أو الممارسات العملية، مثل تحويل لفظ ما بعد الطبيعة أو الفلسفة الأولى إلى إلهيات، أو تحويل الله إلى عقل فعال. (2)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٨