تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاعتراف بفضل المصطلحات الجديدة لما تتسم من عقلانية وطبيعية وواقعية وإنسانية. وهي من السمات الرئيسية للوحي وأسسه في العقل والطبيعة والإنسان والمجتمع والتاريخ، والجرأة على استخدامها، وترك الألفاظ القديمة بالرغم من هجوم الفقهاء واتهام الحكماء بالتبعية والتقليد، والخروج على الموروث، والمروق عن الدين. كانت المصطلحات والألفاظ اليونانية بالمصادفة التاريخية عقلانية طبيعية إنسانية متفقة مع مضمون الألفاظ القديمة، فسهل انتشارها، والتعبير عن المعاني العقلية الطبيعية الإنسانية بألفاظ جديدة مطابقة لها، والبعض منها ألفاظ مشتركة بين القديم والجديد مثل العقل والنفس، والروح، والإنسان. فلماذا يحكم على هذه الألفاظ المشتركة بأنها وافدة من الخارج وليست نابعة من الداخل؟ الأقرب أن تكون هي الألفاظ القديمة بمعاني جديدة لا ترفضها المعاني الاصطلاحية؛ فالتجديد اللغوي إنما يحدث في حالة عجز الألفاظ القديمة عن التعبير عن المعاني الجديدة فقط. أما في حالة القدرة فتبقى الألفاظ التي يتطابق فيها القديم مع الجديد. (7)

كان من الطبيعي بعد عصر الترجمة وانتشار ثقافات جديدة بألفاظها أن تنشأ عملية تجديد عن طريق تغيير الألفاظ، إسقاط الألفاظ القديمة لعجزها عن التعبير عن المعاني الجديدة، واستعمال الألفاظ الجديدة كأدوات للتعبير والأكثر قدرة على الحوار والتفاعل بين الموروث والوافد. والألفاظ هي ثوب الفكر، والفكر بطبيعته متعدد الأثواب. وإذا ما كبر الثعبان غير من جلده وإلا ضاق عليه ومات. ودون هذه العملية تقع الأمة في ازدواجية الثقافة. تعجب الخاصة بالجديد فتتصل به وتنقطع عن القديم. فالفكر أولى بالحرص عليه من اللغة، والمضمون له الأولوية على الشكل. فتتمسك العامة بالقديم كرد فعل على الخاصة، وتتصل به وتنقطع عن الجديد، وبالتالي تقع الأمة في صراع بين العلمانية الجديدة والمحافظة القديمة، بين اختيار الصفوة وثقافة الجماهير.

ظاهرة «التشكل الكاذب» وهو الافتراض الذي يقوم عليه «من النقل إلى الإبداع» من أجل إعادة بناء علوم الحكمة تقوم على تحليل لغة الخطاب، الخطاب الموروث والخطاب الوافد من أجل معرفة كيف نشأ الخطاب الفلسفي الثالث وكيف تكون عن طريق عملية الاستبدال اللفظي مع الإبقاء على المعاني ثم التنسيق بينها في التعبير عن تصور للعالم يجمع بين أصالة الموروث وحداثة الوافد.

53

أما الأشياء ذاتها فإن التعبير عنها يمثل مرحلة الانتقال من النقل إلى الإبداع؛ فجدل اللفظ والمعنى أقرب إلى منطق النقل، في حين أن جدل المعنى والشيء أقرب إلى منطق الإبداع. وفي التأليف الخالص الذي يتجاوز النقل والتعليق والشرح والتلخيص والعرض يظهر الإبداع بالتعامل مع الأشياء مباشرة والتنظير لها، والتعبير عنها دون تمييز بين موروث ووافد على مستوى اللفظ أو المعنى بعد أن تم التوحيد بينهما في عملية «التشكل الكاذب». التأليف تنظير مباشر للواقع دون توسط نص قديم أو نص جديد، بل تحويل الواقع إلى نص إبداعي مستقبلي مضافا إلى النصين السابقين: النص الماضي القديم والنص الحاضر الجديد. وبالتالي يحدث التراكم المعرفي الضروري، ويظهر الإسهام الحضاري لكل ثقافة في تراكم حضاري للإنسانية جمعاء.

إن معظم الأحكام الخاطئة الخاصة بالنقل والتأثر والخلط والتوفيق إنما ترجع إلى أنها تتعامل مع «النقل» أكثر من تعاملها مع «الإبداع»، وتنظر إلى النقل نظرة خارجية محضة دون وعي بظاهرة «التشكل الكاذب». وتغفل الإبداع لأن التأليف حكر على اليونان. أما تأليف الشعوب الأخرى المجاورة السابقة على اليونان مثل شعوب الشرق القديم أو التالية لها مثل الشعوب الإسلامية، فإنه تأليف ديني أخلاقي سياسي، وليس تأليفا فلسفيا ميتافيزيقيا نظريا منطقيا خالصا، وهو ما يميز التأليف اليوناني القديم والتأليف الغربي الحديث. فالغرب وحده، في مصدره اليوناني القديم، أو في تطوره الحديث، هو الوحيد القادر على التنظير. أما الشعوب اللاأوروبية فليس لها إلا النقل والترجمة والتعليق والشرح والتلخيص والعرض، التهميش على المتون.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٢٠