37
ويمكن تصنيف التعليقات الستين على مستويات ثلاثة: اللفظ والمعنى والشيء؛ أي اللغة والإيضاح والتحقيق، النص والترجمة والموضوع. فعلى مستوى اللغة يصف التعليق النسخة وما فيها من انقطاع مع إعطاء تلخيص للموضوع، وبداية الكتاب ونهايته.
38
ومشكلة الناسخ والمملى عليه والمترجم والمؤلف مشكلة النص نفسه وتعدد مؤلفيه، النص الأصلي وترجمة ابن وحشية وكتابه الزيات الحاكي الكتاب عن ابن وحشية الحاكي عن الأصل، ووجود بياض في كتاب ابن وحشية إما بسبب النص الأصلي وإما أن ابن وحشية يميل إلى مذاهب الصوفية ويسلك طريقهم لاستبعاد كتابه المحرم بالرغم من معاداته للتصوف والزهد والخلوة. وتأليف قوثا في سياسة البقر ولكن لم يستطع المترجم العثور عليه. وترك الناسخ فصلا طويلا من كلام ابن وحشية ليس شيء من الفلاحة على ما لاحظ الشيشي واندهاش الناسخ من التعليق خارج الموضوع وحذفه لأنه دين والمطلوب العلم وحده!
كما يشمل التعليق تحديد لغة النبط وتعدد لهجاتها طبقا للأماكن مما يحتاج إلى جهد كبير في ترجمتها إلى اللغة العربية. وهي مادة لقاموس تاريخي للغات. لذلك تعددت التعليقات حول الاسم والمسمى، وأن الترجمة هي إيجاد أسماء عديدة على مسمى واحد.
39
فاللغة متغيرة من عصر إلى عصر، ومن زمان إلى زمان. وتقارن التعليقات بين الأسماء العربية في مناطق مختلفة من اليمين والجرامثة وبابل والفرات وأيضا اللغات المقارنة مع الهند والصين وفارس والروم واليونان والأرمن والمصريين والسريان مع اختلاف استعمال الأسماء في كل لغة عند العامة والخاصة. ويتم التعريف بالشيء المشار إليه في البيئة المحلية ووصفه حتى ينطبق الاسم على المسمى، والبحث عن الخطأ في عدم إدراك ذلك وإرجاعه إلى الناسخ الذي هو أقل من المؤلف والمترجم علما. فالرجوع إلى الشيء نفسه أي إلى المسميات خير وسيلة لعدم خلط الأسماء.
40
وقد يتبع شرح المعاني العودة إلى اشتقاق الألفاظ.
41
ومن وسائل إيضاح المعنى فك الرموز وقراءة الشفرة. فقد استعمل النبط أسلوب الرمز مما يحتاج إلى فهم المعنى الخفي، وكأن النص نشأ في نحلة خفية كالإخوان والشيعة، ومما يمنع الاحتجاج بتعذر الفهم نظرا لوجود سقط في الكلام. فمن عادة النبط عدم الإفصاح عن الكلام، بل يرمزون رمزا في حاجة إلى تفكير كما هو الحال عند الفرس والهند والعرب. فالرمز لغة الشرق.
42
وبعد إيضاح المعنى يتم إكماله في تصور علمي جديد مثل الحديث عن أثر الشمس، وإكمال النص بعلم جديد من أجل تقدم العلم والحضارة. ويتم ذلك عن طريق التحقق من الموضوع وصدقه والاستدراك عليه ومراجعته وتحديد المكان الجغرافي والمراجعة على عالم النبات وهو ما يسميه الأصوليون تحقيق المناط، في تواضع علمي واعتراف بعدم المعرفة.
43
ويفسر كيف نشأت تسمية الشهور العربية عند النبط وتشخيصها أولا في رجال ونساء ونكاح ونسل كما هو الحال في الثقافة الشعبية، مشيرا إلى نشأتها أيضا عند النبط وليس عند الكسدانيين والكنعانيين والعبرانيين والجرامقة. وتقارن مع قصة مشابهة عند النصارى والصابئة حتى أوقعوا بالمسيح، والحكم على القصتين بالخيال والكذب والاستحالة.
44
كما أن قصص تفسير الزلزال عقب السيل قصة خرافية لا تاريخية. ويفسر قصة صعود البخار من الأرض تفسيرا علميا. فللكسدانيين خرافات كثيرة تخبئ قوانين وفوائد لكل خرافة رمز، والرمز وراءه علم، المهم القضاء على الخرافة من أجل إبراز العلم.
وتبدو في التعليقات بعض المواقف منها من مدح النبط وإبداعهم في الفلاحة، بل وفي كل العلوم.
45
وهم مصدر علوم باقي الشعوب، والتمييز بين الطب والفلاحة وتبرير عدم دخول النص في الطب واقتصاره على الفلاحة. وينقد المؤلف الهند والرهبنة في زمانه والتصدق الهندي والسير عراة في الهند، ورهبان النصارى والمسلمين مثلهم. وهم الصوفية الذين يدعون الزهد في الدنيا والتخلي عنها وأنهم أولياء الله دون سائر الناس، وأنهم أعلى درجة من المسلمين وأطيب عيشا وهم فانون. ويستعمل الأمثال العامية لتبرير هذا الموقف.