لم يعرف النص الأصلي إلا تقسيم الأبواب. وأضاف النص العربي تقسيم الأبواب إلى فصول لبلورة الموضوعات وإبرازها. فلا فرق بين النص الأصلي والنص المترجم، إعادة التعبير عن المضمون السرياني في لغة عربية جديدة مع استبعاد الجانب الخرافي من أجل الإبقاء على النص العلمي.
30
كما يتم تقطيع النص فقرة فقرة، قصيرة أو طويلة، لإمكانية هضمه وتمثله بالتعليق. فالتعليق هي الأسنان. يتضمن النص مقدمات وخاتمة وتعليقات في المنتصف حتى يكتمل بناء النص. التعليق هو إعادة كتابة النص، تأليف غير مباشر، ترجمة حرة، أقرب إلى العرض للنص قبل الشرح والتلخيص والجامع. وكثير من تعليقات النص تبدو وكأنها للمترجم، هو أسلوب واحد يقلده المترجم. المترجم إعادة صياغة وكأنها تكليف غير مباشر.
31
ويحيل النص إلى بعض الكتب القديمة الصحيحة أو المنتحلة ونسبة البعض منها إلى الأنبياء لإعطائها مزيدا من السلطة في الإقناع والانتشار بين الناس.
32
وتكثر عبارات الربط والوصل والتقديم والتذكير والعودة إلى الموضوع الأصلي بعد الاستطراد عودا على بدء مما يدل على التأليف الجماعي وتداخل النص والتعليق، الترجمة والتألف، النقل والإبداع، سواء كانت هذه العبارات من وضع المؤلف أو المترجم أو القارئ أو الناسخ. فالنص عمل جماعي. وهي عبارات وصل ضرورية خاصة في أسلوب الإملاء. وتضاف بعض الرسوم التوضيحية للشرح مثل رسوم زراعة البنفسج. أخذ المؤلف العربي النص الأصلي المترجم أو السرياني القديم وأعاد كتابته باللغة العربية متوجها إلى القارئ العربي خاصة في التعليقات الستين. فالنص تأليف في صورة ترجمة أو ترجمة في صورة تأليف. وكانت الثقافة النبطية مفتوحة على الثقافة العربية قبل الإسلام. كما يظهر الأسلوب الروائي الأدبي في حديث الطبيعة، حديث الشجر والزراعة، أنسنة للطبيعة كما هو الحال في الأسلوب القرآني: «أيها الإنسان، هل في بستانك هذا أحسن مني.»
33
فالكتاب صياغة أدبية لعلم الفلاحة. ويظهر الأسلوب الشفاهي، فالرواية مصدر العلم: «حدثني إنسان.»
34
وموضوعه الطب والزراعة والفلك والدين والأساطير، ارتباط كل شيء بكل شيء في تراث ما بين النهرين. كان التقويم الفلكي القديم بزحل والقمر. كما ارتبطت الفلاحة بالفلك، العالم السفلي بالعالم العلوي كما هو الحال في الثقافات القديمة وألواح حمورابي. كانت الزراعة في حضارات ما بين النهرين وعند النبط مزدهرة مثل ازدهار الطب في اليونان. والفلاحة صنعة الأنبياء عند النبط كالتجارة ورعي الإبل عند المسيح ومحمد. وكان ارتباط الفلاحة بالأساطير خطوة نحو العلم، من النبط إلى المسلمين. كما ارتبطت الإلهيات بالطبيعيات، والسماء بالأرض، والقوانين الإلهية بقوانين الزراعة عند الكلدانيين ثم بعد ذلك عند المسلمين. وهناك تفاعل بين عالم النفس وعالم الكواكب في التأثير المتبادل مما يدل على تداخل العلم والسحر أو العلم والدين. العلم الخالص لا ضير من ترجمته. إن كان الدين سرا خاصا فالعلم نفع عام. وتسود نظرية الأخلاط الأربعة كتاب الفلاحة سواء كان أصلها نبطيا أم يونانيا.
35
فتصور البابليين رباعي أكثر منه ثنائي كما هو الحال عند اليونان.
والمنهج المستعمل هو التجريب والقياس سواء كان في النص الأصلي أو في النص المترجم. والعرض مصدر معرفة مثل الإلهام والتجربة. فلا يكتفي المؤلف بالرواية عن القدماء؛ أي النقل، بل يجرب نفسه. لا فرق إذن بين الوحي والعقل والطبيعة؛ أي بين النقل والقياس والتجربة.
36
ويضاف إلى النص أربعون تعليقا في الجزء الأول، التعليقات من الخامس حتى العاشر في ظروف ترجمة الكتاب. ويبدأ كل تعليق بلفظ القول: «قال أبو بكر بن وحشية.» إلا التعليق الأخير في الجزء الأول. والتعقيبات أشبه بالتعليقات على النص المترجم التي ستصبح نوعا أدبيا مستقلا فيما بعد. التعليق أصغر من النص. بل إنه يقل شيئا حتى يتم تعشيق الوافد في الموروث، وإعادة توظيف الخارج في الداخل. ولما كان الجزء الآخر أقرب إلى النيات الخالصة دون دخول في الأساطير تقل التعليقات بل تغيب تماما. وتتضمن التعليقات الأخيرة تلخيصا للكتاب كله بلا خرافة أو سحر أو دين، سواء كان هذا التلخيص من المؤلف أو المترجم أو المملى عليه أو الناسخ أو القارئ.