تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

وأيها أحسن في العقل، التعب والكد أم الشحاذة؟ وينقد تحريم الكسب لأن الله قدر أرزاق العباد واستعمال آية:

وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد . وينقد انتظار الطعام من السماء والتوكل وسكون الجبال والكهوف ولبس الصوف. فلاحة الأرض ضرورة، وأن يأكل الإنسان مما تنبت يديه.

ويظهر في التعليقات موضوع سبق الحضارات كنوع من الشعوبية الحضارية مع عقد مقارنات بين النبط وفارس والنصرانية دين الروم، كما أبان الجاحظ فضل العرب على العجم. والعصبية في التاريخ، أحد أشكال الصراع بين الشرق والغرب. فقد سبق النبط الفرس ليس لعيب في الفرس، فهم من أعقل الأمم وأعدلها، ولكن اعترافا بالحق لأهله. وينسب الجهلاء الطب إلى الفرس وتدعيما للروم حقدا على النبط، مع أنه مشتق من لفظ نبط، ومعظم النصارى أصولهم نبطية ولكنهم يتملقون الروم لاتفاقهم في الدين معهم. ثم جاء الإسلام ورد إلى النبط حقوقهم. فكانوا من العلماء المقربين للخلفاء. ويدل هذا التحليل على عيوب العصبية في التاريخ وجهل أطباء النصارى، ودوران الدائرة في التاريخ. فما عمله الفرس مع النبط عمله العرب مع الفرس. هناك إحساس بالتمايز الحضاري يظهر في عبارة «فأما أهل بلادنا».

47

وتركيب بعض التعليقات الوافد على الموروث المشاهد في البلدان.

48

ويمدح النص إيمان النبط. فقد كان قوتامي على مذهب نيوشاد دون أن يفصح عن ذلك، وهو التوحيد خوفا من أهل الزمان. وكان أنوحا قد دعا له وهو ما جاء به الرسول وأظهره على الأمم فاستخلفهم الله على غيرهم.

49

وقد تم تعشيق الوافد في الموروث عن طريق قصص الأنبياء خاصة آدم. فالحضارة النبطية من آدم وإبراهيم. أخت آدم اسمها نخلة. وآدم أبو البشر نبي القمر مثل آدمي الكنعاني، ودوناي ربما مثل محمد خاتم الأنبياء، آدمي وأنوما أنبياء مثل آدم ونوح. ولما ضرب أنوحا وحبس أرسل الله عليهم السيل العظيم الذي أغرق البلاد مثل طوفان نوح.

50

لقد سمي آدم أبو البشر لما قدم لهم من منافع. أخذ النبوة من القمر فيجب تصديقه كما أخذ محمد الوحي من الله عن طريق جبريل. كان جيد الاستنباط صحيح الحدس وافر العقل جيد الفكر. فاستنبط العلوم والصنائع التي أخبر بها ووضعها لأهل زمانه فنفع بها الناس. لذلك عظمه الناس ومدحوه وسموه «أبونا»، وجعلوه إلى الناس كلهم. وأرسل الله الطاعون فهلك الكفار كما هلك قوم موسى. كما لجأ أنوحا إلى أرض مصر هربا، وألقى التابوت في النيل كما ألقي موسى طفلا.

51

والربط الجوهري بين الدين الطبيعي ودين الوحي في استعمال لفظ الله مرة جمعا ومرة مفردا، ففي الجمع تعدد الآلهة، كبير الآلهة، إله الآلهة، مثل حكيم الحكماء وعاقل العقلاء. وهناك آلهة ثلاثة: المشتري وعطارد والقمر، آلهة ذوات الأنوار تبتهج لها القلوب، وتفيض الرحمة الإلهية على أبناء البشر. فلا حرج من ترجمة نص به تعدد الآلهة كما كان الأمر عند حنين بن إسحاق في ترجمته «تعبير الرؤيا» لأرتميدروس حين ترجم آلهة «ملائكة»، وهي الحجج التي تقال عادة لعدم ترجمة أشعار هوميروس وهزيود أو محاورات أفلاطون. والدين الطبيعي دين توحيد، يقوم على العقل والفضيلة «واستنباطا وجدناه بعقولنا التي وضعتها فينا الآلهة.» وكلاهما به عقيدة وشريعة، عبادات ومعاملات.

ويعاد كتابة النص كله من المترجم أو المؤلف الثاني من منظور الموروث، التوحيد، والحديث عن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فالتوحيد ثقافة الشرق القديم كله، وما الإسلام إلا التعبير عن أنقى صورة له. تعاد قراءة الوافد من منظور الموروث وبمصطلحاته وتعبيراته مثل: الله عز وجل، تبارك وتعالى، طاعة الله جل وعز، رضي الله عز وجل، التشبه بالله عز وجل وبملائكته. كما يتحدث النص عن أولياء الله، وأهل رضا الله المتمسكين بالحبل المتصل بالله، النعمة التي يهبها الله. كما يتحدث عن غضب الله على أهل المعاصي، الخارجين على طاعته، المنقلبين في سخطه، الكذابين عليه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٨٢