تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك حكم آخر شائع يجعل الفلاسفة المسلمين مجرد دوائر منعزلة عن قلب الحضارة الإسلامية، تابعين لليونان، امتدادا للمشائية.

52

وهو مثل حكم المستشرقين مع اختلاف الدوافع. دافع المستشرق هو إثبات جدب الحضارة الإسلامية وخلوها من الإبداع. ودافع الممثل الجديد للأشعرية التقليدية في مصر والوطن العربي هو الدفاع عن علم الأصول بشقيه، علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، موطن الإبداع في الحضارة الإسلامية. وهو أيضا موقف بعض الفقهاء من المدرسة السلفية القديمة والحديثة من ابن حنبل حتى ابن تيمية وابن القيم ورشيد رضا. والحقيقة أن ذلك حكم ديني مسبق يقوم على الرد على المستشرقين وأخطائهم كما فعل مصطفى عبد الرازق من أجل الوقوع في خطأ مضاد، إثبات الأصالة على حساب التبعية بنفس سلاح المستشرقين، وهو إخراج الفلاسفة المسلمين من الدائرة. وهو إغفال لوظيفة الفلسفة بعد عصر الترجمة في التوحيد بين الموروث والوافد؛ فمن حيث طبيعة الحضارة الناشئة فإنها بعد أن انتشرت فوق رقعة الأراضي المفتوحة، نقلت ثقافات شعوبها إلى العربية، فأصبحت مزدوجة الثقافة، بين الموروث القديم والوافد الجديد، بين الأصل والفرع، بين الأنا والآخر. وكان من الطبيعي أن يخرج من بين المتكلمين المعتزلة من يتجرأ على الوافد باسم الموروث، ويحاول الجمع بينهما في ثقافة واحدة، درءا للتعارض بين النقل والعقل، وتأكيدا على وحدة الثقافة بين الداخل والخارج، بين التراث والتجديد بلغتنا، بين السلفية والعلمانية بلغة العصر، بين الأزهر والجامعة بلغة مناهج التعليم. علوم الحكمة إذن ليست دوائر منعزلة على هامش الحضارة الإسلامية، لا تمثل قلبها، منفصلة عن الموروث، تابعة للوافد، لم تبدع كما أبدع علم الأصول بشقيه، علم أصول الدين وعلم أصول الفقه. بل هي علوم تؤدي وظيفة حضارية محددة، وحدة الثقافة ضد ازدواجيتها. علوم الحكمة أشبه بالثغور للدفاع عن الحدود، في حين أن علم أصول الدين أشبه بالزوايا لتقوية الإيمان. الحكماء وزراء خارجية يتعاملون مع الخارج لصالح الداخل في ميدان العلاقات الدولية، مهمتهم الحفاظ على الأمن الخارجي وسلامة أرض الوطن. والمتكلمون وزراء داخلية مهمتهم الحفاظ على النظام والأمن الداخلي. ولا تعارض بين المهمتين، كلاهما ضروري لسلامة الدولة في الخارج والداخل. إن علوم الحكمة جزء من كل، وظيفتها التمثل والإخراج، والنقل والإبداع، واستيعاب الوافد في الموروث، ليس فقط من جانب الحكماء باسم الوافد، بل أيضا من جانب بعض الفقهاء باسم الموروث؛ فقد كتب ابن حزم، وهو الفقيه الظاهري المتشدد في علم الكلام «التقريب إلى حد المنطق والمدخل إليه» من أجل إرجاع أقيسة اليونان إلى أقيسة القرآن وأقيسة الرسول. وقد استعمل بعض الحكماء الوافد من أجل نقد الموروث كما فعل ابن رشد في «تفسير ما بعد الطبيعة» في استعمال النص الأرسطي من أجل نقد علم الأشعرية. أما وظيفة النقد والرفض والإبداع الموازي فإنها وظيفة علوم أخرى، قام بها الفقهاء الذين قاموا بنقد المنطق اليوناني الذي هو أساس الطبيعيات والإلهيات اليونانية. فكتبوا «الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق» و«ترجيح أساليب القرآن على منطق اليونان». هناك إذن نوعان من الإبداع، الأول داخل علوم الحكمة ذاتها؛ فالنقل إبداع للمصطلحات وقراءة للنص المنقول وإعادة كتابة له. والشرح إبداع عن طريق تفتيت النص ومعرفة مكوناته العقلية. والتلخيص إبداع عن طريق إعادة تركيب النص، والقدرة على رؤية بؤرته، والغوص في قلبه، وإعادة التعبير عن قصده الرئيسي وحدسه الأولي. والتعليق إبداع لأنه نقل للوافد داخل الموروث، ومضغ الوافد لقمة لقمة حتى يسهل ابتلاعها قبل هضمها وتمثلها. والعرض إبداع لأنه تأليف في الوافد دون نصوصه وعرض لموضوعاته مباشرة دون توسط النص. والتأليف إبداع لأنه يتجاوز النقل، ويتوجه إلى الأشياء ذاتها، ينظرها تنظيرا مباشرا بالاعتماد على المصدرين الرئيسيين للعلم، الموروث والوافد؛ ومن ثم كان الحكم بالنقل والتأثير والخلط والتوفيق من جانب الاستشراق أو بالتبعية لليونان وامتدادا للمشائية عند المسلمين من جانب الأصوليين المعاصرين حكما يكشف عن عقلية الحاكم وثقافته ودوافعه وأهدافه. ولا يقوم على تحليل موضوعي لظاهرة الالتقاء بين الثقافات، وتفاعل الحضارات، ومحاولة إخضاعها لمنطق علمي دقيق. «من النقل إلى الإبداع» إذن موجه ضد فريقين: الأول المستشرقون وأتباعهم من العرب الذين يرون علوم الحكمة مجرد نقل لفلسفة اليونان وامتداد للتراث اليوناني داخل التراث الإسلامي، حكما على ظاهرة اللغة، وتأثرا بالحضارة الغربية التي ترى أن اليونان هم الأصل، وبدافع النظرة الدونية للمركز إلى الأطراف؛ فالإبداع لا يكون إلا في المركز والأطراف ليس لها إلا التعليق والشرح. وإن كان لذلك فضل فهو في حفظ تراث الأصل اليوناني ونقله في العصر الوسيط إلى الغرب الحديث قبل أن ينقله الغرب بنفسه مباشرة بعد أن اكتشف نقص النقل الأول، زيادة ونقصانا، أو سوء فهم وخلط. والثاني الفقهاء القدماء والمحدثون؛ فهم الذين يعتبرون فلاسفة الإسلام مجرد دوائر منعزلة على هامش الحضارة الإسلامية، يكفرونهم ولا يرون لهم أي دور إلا في تبعية اليونان، بل والتآمر على العقيدة من الفلاسفة الباطنيين والانحراف بها عن فهمها الصحيح عند متكلمي أهل السنة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٧