16
ثم يتم الانتقال من اللاهوت السلبي، واجتماع الفلسفة والاعتزال إلى الفلسفة والتصوف، ولغة الحب والحديث عن الله بلغة الحسن والبهاء فاعله هو «أعز الدنيا».
17
وليس كل ما لدى الشيخ اليوناني مقبول، فإنه يمكن أيضا نقده. «أحب أفلاطون ولكن حبي للحق أعظم.» فالنقد أيضا ممكن وليس فقط المدح والتقريظ. فالشيخ يخرج عن الموضوع ويتحدث عن المنطق والاستقصاءات دون حاجة إليه. كما أنه كثير الخلط ويقع في التناقض، ويجمع بين آراء القدماء وآراء المحدثين في عوارض النفس، وأقرب إلى القدماء في بيان جوهرها. وليس لحججه أي نظام أو ترتيب عند الحاجة إليها. لذلك لا بد من إعادة ترتيب النص بين الأول والوسط والنهاية حتى يظهر منطق الكلام. فالناقد هنا أكثر عقلانية من الشيخ اليوناني الواسع العلم، الطيب القلب، الطاهر النفس من أجل إكماله وإعطائه جانبا عقلانيا ينفعه كما أعطى هو أرسطو جانبا إشراقيا ينقصه. ولا يهم من الناقد، شخصا أو جماعة، بل روح الحضارة الباحثة عن الحكمة الخالدة.
18
وفي الانتحال الفلسفي تعاد قراءة تاريخ الفلسفة كله من منظور إشراقي وفي إشكال إشراقي واحد مثل الواحد والكثير أو نظرية الاتصال. فيثاغورس إشراقي لأنه يسمي المبدع لغز أبولون، وهو واحد ليس بكثير.
19
وديوجينس الكلبي إشراقي بسلوكه، زاهد في حياته، شيخ طريقة، والشيخ اليوناني مريد له. ترتبط الأنوار بالأفكار، وسير حياة الحكماء بآرائهم كدليل على وحدة النظر والعمل، الحقيقة والشريعة.
20
ولا يهم إن كانت هذه العلاقة صحيحة تاريخيا أم لا. فديوجنس الكلبي عاش قبل أفلوطين بسبعة قرون. ومع ذلك هو المريد وأفلوطين هو الشيخ.
21
وأفلاطون في طيماوس يبين مطابقة عالم الربوبية لعالم الطبيعة، ويعتبر الأجرام السماوية إلها، ويرى أن الباري أبدع العالم لعلة، وأنها فضل الله ووجوده.
22
وسقراط واضع النواميس لأهل أثينا أقر أيضا بأن الباري هو أول الأشياء وآخرها. كما أقر بذلك الأطباء.
23
والكل أرسطي شرقي.
وقد يكون السبب في الانتحال والتلخيص الأقرب إلى الانتحال هي غايات محلية صرفة لنقد الموروث الديني أو الفلسفي استعمالا لثقافة الغير. فثقافة الآخر هي علوم الوسائل، وثقافة الأنا هي علوم الغايات. ينقد عبد اللطيف البغدادي مثلا ابن سينا لمخالفته طريقة المشائين وتصحيح فهم ما بعد الطبيعة اعتمادا على حسن فهم الفارابي.
24
فالمؤلف هنا يصحح فهم الموروث دفاعا عن الوافد وليس الدفاع بالضرورة عن الموروث ضد الوافد. وإذا ما تم التأليف في الوافد، مثل كتاب ما بعد الطبيعة، فإنه يتم التأليف فيه بطريقة الموروث، بيان حد العلم وغايته ومنفعته وأقسامه وكأنه علم قديم. ونظرا لتراكم العلم، فإن التأليف يعتمد على اجتهادات السابقين مثل الفارابي في شرح أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. يلخص البغدادي النص الأصلي تلخيصا شاملا. ويتابع الأصل بحروفه في مواضع أو يجهل معانيه في مواضع أخرى، ثم يضيف من عنده؛ أي من غير النص الذي يلخصه، ينقله عن غيره من المؤلفين مثل «الخير المحض». يتبع النص أولا ثم يخرج عنه لإيضاح الفكرة بعرضها عرضا موسعا؛ ومن ثم يمكن تتبع المراحل من النقل إلى الإبداع على النحو الآتي: (1)
البداية بالنقل الحرفي من النص الأصلي. (2)
التلخيص للمعنى بألفاظ مستقلة وإيضاح الأفكار. (3)
إكمال المعنى وإبداع نص جديد في نفس روح النص الأول من أجل إكمال الرؤية اعتمادا على نصوص متفرقة أخرى لنفس المؤلف أو لمؤلف آخر غيره من الحضارة المنقول منها أو الحضارة المنقول إليها أو بالاستقلال التام عن أية نصوص والاعتماد على الإبداع الذاتي الخالص. (4)
إكمال النص بآية قرآنية أو حديث نبوي كخاتم عام وإعلام ختامي
Finale
تبين أن الوسائل قد تم استعمالها، أن الغاية قد تحققت.