تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

ويظهر التشكل الكاذب في كل نص يعاد إنتاجه، سواء كان ترجمة أو شرحا أو تلخيصا أو تأليفا أو انتحالا. فالله جل وعز وجل وعلا بتعبيرات الموروث هو الفاعل الأول ساكن غير متحرك، العقل الأول، المبتدع، الخير المحض، الذي يفيض بالخير على الأشياء، ليس له صورة ولا لمية، لا يحتاج في إبداعه إلى رؤية ولا فكر. وتداخل تعبيرات الموروث والوافد على التبادل وليس بالضرورة على التعاقب. فقد أصبح كلا المخزونين النفسيين أدوات للتعبير بصرف النظر عن مصدريهما، تعبيرات الأنا أم في تعبيرات الآخر. ويتحد القولان لأن كليهما تعبير عن مطلب واقتضاء واحد، مطلب نفسي أخلاقي، وليس شيئا موضوعيا في الخارج قد تختلف الرؤية على وصفه وتصويره، فالفاعل الأول «ينبغي أن يكون ساكنا».

9

والموضوع الغالب في الانتحال الفلسفي، في كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي، هو الواحد والكثير، مثل الكندي في رسالته إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى. وهو تشكل كاذب عن طريق التعبير عن الصلة بين الله والعالم بلغة الواحد والكثير. مع أن لفظ الواحد أيضا لفظ موروث وليس بالضرورة لفظا وافدا. هنا يحدث فقط عملية اقتران أو تشابه لفظي.

10

والوافد هو العلة الأولى الفاعلة لجميع الأشياء، وهو العلة القصوى، الفاعلة الأدلة هوية فحسب. هو الواحد الأول الحق المبين، والمبدأ الأول علة هويات العالم بأسرها، الفاعل الأول في جميع الصور، المبدع الأول، وهو الفرد الأول المحض يصح عليه أي توهم. والعلة الأولى بريئة عن جميع أصناف الحركة. وهي الأشرف والأكمل. خلق جميع الصور الروحانية التي لا هيولى لها. خلق الله العقل وبذر فيه جميع الأشياء كامنة فيه ثم تتخارج منه. والعقل من الينبوع الأول، والكلمة شيء واحد وهي في سائر العالم، يهتدي بها كل واحد إلى ما هو أصلح له، ويبتعد عما يضر به ، بها تسكن النفوس إلى معارضها، وتثق بصحة كل شيء.

11

ويعيد الانتحال الفلسفي بناء النسق الفلسفي لأفلوطين طبقا لأرسطو المنطق، والطبيعيات، والإلهيات، وطبقا للمسلمين كما ظهر في بنية الشفاء. فقد عرف الشيخ اليوناني المقولات معرفة منطقية. والمعرفة الطبيعية أعلى من المنطقية، والإلهية أعلى من الطبيعة في صعود تراتبي من الأدنى إلى الأعلى عن طريق الصوفية.

12

والواحد، العلة الأولى، المبدأ، الفاعل الأول هو الباري، المبدع، الله سبحانه، الباري تعالى، ألفاظ الموروث التي يتم استعمالها مع ألفاظ الوافد خاصة أن هناك ألفاظا مشتركة مثل المبدع، الكلمة، العناية الإلهية، الشريعة الإلهية، نور الله سبحانه، الباري تعالى، الباري سبحانه. الكلمة إسلامية فهي قرآنية، كلمة الله، ومسيحية في آن واحد، بل ويهودية أيضا. وقد يتم النقل الحضاري من حضارة إلى أخرى في موضوع الكلمة. تتشابه الألفاظ وتختلف المعاني. فالعناية الإلهية ضد القدم، والشريعة الإلهية استنباط القانون من النظم، والنور الإلهي ما يقوله الصوفية المسلمون.

13

ولا يكتفي النص بالفلسفة الإلهية ونظرية الفيض من الله إلى العقل إلى النفس إلى المادة، بل أيضا يضيف وصف الطريق، الصعود إلى الله عن طريق التضرع إلى الله وسؤاله العون والتوفيق كصوفي مسلم يقرض الشعر. ولا يكفي في التضرع مجرد رفع الأكف إلى السماء وحركة اليد، بل التضرع بالعقل والخشوع بالقلب حتى يشرق نوره في العقل وعلمه في الجهل، وإرادته في الاستطاعة.

14

وفي الفصل الرابع والعشرين يذكر بقية الأثولوجيا. فالعلة لا تتحرك، ومبدأ العالم واحد، فضله الذي لم يزل. وعالم الربوبية مطابق لعالم الطبيعة، لذلك تنفذ إرادة الله فيه. صفاته عين ذاته، وذاته عين صفاته، مما يدل على وشائج القربى بين علوم الحكمة والاعتزال.

15

وهو عالم الغيب والشهادة مما يكشف مباشرة عن عملية التشكل الكاذب.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٧٢