وتطبيقا للمراحل الأربع السابقة يتضمن كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي عدة فصول. الفصل العشرون مقتبس من «إيضاح الخير» لأبرقلس. أما الفصول من الواحد والعشرين حتى الرابع والعشرين، فكلها في أثولوجيا وهو علم الربوبية.
25
الفصل الواحد والعشرون ليس تلخيصا، بل عرضا عاما ممزوجا بآراء أرسطية وأفلوطينية مثل «المدينة الفاضلة» للفارابي و«الإشارات والتنبيهات» و«الشفاء» لابن سينا. فالمهم الموضوع وليس الشخص، الكل وليس الجزء. والفصل الثاني والعشرون استطرادات على معاني النص الأصلي تأليفا وليس نقلا أو تلخيصا أو تجميعا. والفصل الرابع والعشرون لا ينقل النص الأفلاطوني، طيماوس حرفيا بل بالتلخيص الحر الواسع من أجل إثبات الفيض، فيض عالم الطبيعة عن عالم الربوبية. فالأجرام السماوية آلهة تعبيرا عن وحدة العالمين، العالم الإلهي والعالم الطبيعي، بالرغم مما قد يصطدم هذا التعبير بالتصور الإسلامي، إلا أنه له ما يشابهه في التصوف الإسماعيلي ومطابقة عالم الروح مع عالم الطبيعة في علم الميزان، ولكن آلهة هنا تعني مجازا أي الروحانية والعظمة والجلال.
26
ويعرض رأي أفلاطون في العلة التي من أجلها أبدع الباري العالم. فلا فرق بين أفلاطون وأرسطو وأفلوطين ما دامت النظرة إلهية واحدة. وأن هذا الإبداع قد تم بفضل الله ووجوده مع استطراد في صفات الله وتداخل مع علم الكلام. فلا فرق بين الوافد والموروث من حيث المادة العلمية ثم الانتهاء بحديث نبوي في حق النبي وظهور الحجج النقلية بعد أن كادت تختفي من علوم الحكمة التي تتميز على علم الكلام باعتمادها على التحليل العقلي الخالص، والوعد بكتاب في آراء أهل المدينة الفاضلة كختام للعلم الإلهي، وإعلان عن مرحلة التأليف الإبداعي للمستقبل، وتحويل للإلهيات إلى سياسيات، فالمصب النهائي للإلهيات في المجتمع والسياسة.
ولم تكن الميتافيزيقا بمعزل عن الأخلاق والاجتماع والسياسة. فالغاية من المعرفة السعادة، ونتيجة السعادة الحياة في مدينة فاضلة. وهو ما اتضح في آراء أهل المدينة الفاضلة «للفارابي» فيما بعد دون أن يتطور وأن يكتمل، وظلت إلهيات أكثر منها سياسيات. وبقي اغتراب الإنسان في الله أكثر من العودة إلى نفسه إلى مجتمعه. الله قدوة القدوات وإليه الأمر، وبيده الخير. وهنا يتم الانتقال من الإنسان الكامل إلى المجتمع الفاضل، من الكمال الإلهي إلى المدينة الفاضلة. ويكون التحدي: أيهما اغتراب وأيهما حقيقة؟
27
ويتكشف الشكل الكاذب كلية في إنهاء الترجمات والانتحال الفلسفي بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية حتى على لسان فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين، لا فرق بين مؤلف ومترجم وناسخ وقارئ. فالهدف هو إدخال الوافد في الموروث، وتمثل الموروث في الوافد، ونقل علوم الوسائل من أجل إبداع علوم الغايات. وتكثر الأحاديث عن القرآن؛ لأن الوضع فيها أسهل والتأويل فيها أيسر، والتاريخ فيها أظهر، والثقافة فيها أوضح. تذكر هذه الآيات والأحاديث على أنها مفتاح السر في النهاية، كلمات موجزة ومركزة توضح القصد والهدف الكامن في الموروث دون إسهاب وبرهان وإطالة، الطابع المميز للوافد، وكأن الأدلة النقلية سر الأدلة العقلية، عودا من الفلسفة إلى الكلام، ومن العقل إلى النقل. فالنقل هو بطن الموروث، والعقل أساس الوافد. والآيات والأحاديث المختارة من نوع الوافد، التصوف والإشراق، لغة الحب والنور، لغة الطبيعة والأشياء، اللاهوت السلبي، حركة علو وسفل، امتحان دنيوي، وخلاصي بشري. فلا فرق بين النبوة والفلسفة، بين الموروث والوافد.
28
ويظهر في الانتحال الفلسفي أسلوب التدوين الإسلامي، تخيل الاعتراض والرد عليه مسبقا، فإن قال قائل ... قلنا ...