وقد لا يكون الفرق بين الانتحال والتلخيص كبيرا. فالانتحال هو وضع روح النص الأول في عبارات جديدة. وهو ما يفعله التلخيص الذي يفهم النص الأصلي ثم يعبر عنه بألفاظ مباشرة. وهذا هو حال الفصول الأخيرة من كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي في أثولوجيا. فالواضع في الانتحال هو الدافع على التلخيص، إيجاد الحجم المعقول.
4
وقد يقوم المؤلف بهذا الاختصار بعد الشرح الأول المسهب. فالمؤلف الواحد يقوم بالعمليتين معا، الشرح أولا ثم التلخيص ثانيا، وكما فعل ابن رشد في الشرح الأكبر ثم الشرح الأصغر مارا بالشرح الأوسط حرصا على عنصر التشويق في القراءة والتركيز على المعنى في التلخيص بعيدا عن الملل والإطالة في الشرح الكبير.
وبالرغم من أن الفارابي إشراقي النزعة، إلا أن الجانب المنطقي فيه أوضح، وبالتالي أمكن الانتحال الفلسفي فيه كما هو الحال عند أرسطو حتى يكون الجانب الصوفي فيه معادلا للجانب المنطقي. فالفلسفة تؤدي إلى التصوف، والمنطق ينتهي إلى الإشراق.
ولا يهم نقل التاسوعات كلها. يكفي باب منها أو فقرات كنقطة بداية ثم إكمالها بنفس الروح كما يفعل الموسيقي عندما يقوم بتنويعات جديدة على لحن قديم. وهو حال كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي. فليس المطلوب نقل الكتاب كله وإلا كان الأمر نقلا دون إبداع، بل تكفي بعض الفصول منه نقلا حتى يتم إبداع الفصول الأخرى.
5
كما أن بعض الفقرات العربية لا توجد في النص الأصلي لأثولوجيا. ويناظرها ما ورد في الترجمة اللاتينية في الفصل العاشر منها. فلا يهم نص أفلوطين التاريخي. يمكن أن يزاد عليه في الانتحال مرورا من النقل إلى الإبداع، على حين أن الترجمة اللاتينية فضلت الإبقاء على النقل لأن العمليات الحضارية من اليونان إلى الرومان في العصر الوثني أو المسيحي كانت عمليات في نفس الحضارة الأوروبية وليست بين حضارتين متمايزتين كاليونانية والإسلامية. الخلاف بين اليونان والرومان في الدرجة لا في النوع في حين أن الخلاف بين اليونان والقرآن خلاف في النوع.
ولماذا كل فكر إشراقي من هذا النوع يكون بالضرورة أفلاطونيا أو أفلوطينيا؟ هل لأنه أقدم في الزمان، وكل لاحق عليه يحال إليه؟ وإذا كان الشرق أقدم من اليونان، فلماذا لا تكون الأفلاطونية أو الأفلوطينية شرقية، ويكون كل فكر إشراقي من هذا النوع صوفيا شرقيا؟ أم لأن اليونان ليس فقط الأصل التاريخي بل المركز الحضاري وما حولها من ثقافات هي الأطراف؟ ولماذا لا تتعدد الإحالات فيكون أفلوطين شرقيا بقدر ما يكون الشرق أفلوطينيا. في الوقت الذي تذاع فيه ثقافات الأطراف من خلال سيطرة الإعلام والنشر وتصبح نقاط إحالة بدلا من أن تكون موضوع إحالة.
ومن الطبيعي أن تمتلئ الرسالة المنسوبة إلى الفارابي في العلم الإلهي من تاسوعات أفلوطين بألفاظ الله الذي جعل في العقل قوة جميع الصور والذي يعلم كل شيء بما في ذلك ذاته كما يعلم العقل ويشتاق إليه، يعطي عطايا فاضلة، مبدع الأشياء. هو العلة الأولى، حياة الأحياء، وعقل العقول، وخير الخيرات.
6
وتظهر عملية التشكل الكاذب في الانتحال الفلسفي بوضوح تام. فالله تبارك وتعالى، الباري عز وجل، الباري تعالى، الربوبية الحق، الوحدانية الدائمة إلى آخر التعبيرات الموروثة هو أيضا المبدأ هو الأول، العلة الأولى، الفاعل الأول، العقل المحض إلى آخر التعبيرات الوافدة. لا توجد إذن ترجمة حرفية لتاسوعات أفلوطين في رسالة العلم الإلهي للفارابي، بل هناك نقل حضاري والتعبير عن حكمة الإشراق الموروثة بألفاظ الوافدة.
7
والتشكل الكاذب عمل حضاري جماعي وليس بالضرورة عملا فرديا؛ بدليل الانتحال الفلسفي الذي هو الخلق الجماعي. نسبة العلم الإلهي للفارابي مثل نسبة الإنجيل الرابع إلى يوحنا.