تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يستعمل النص الوافد لتركيب تصور الموروث. فالنصوص الأفلوطينية وسيلة لإثبات الوحدانية على مستوى التصور الخالص دون ما حاجة إلى دليل نقلي. وهذا هو طريق التشكل الكاذب في جدل اللفظ والمعنى والشيء من أجل الوصول إلى المركز أو القلب أو القمة، ثم تركيب الوافد في الموروث وإقامة الموروث على التصورات الجديدة للوافد بحيث يتم ابتلاع الوافد في الموروث من حيث المادة وابتلاع الوافد للموروث من حيث الصورة.

6

كتاب «الإيضاح لأرسطوطاليس في الخير المحض» إذن كتاب منحول على أرسطو، وهو ما عرف أيضا باسم «كتاب العلل» نظرا لتركيزه على موضوع العلة الأولى، وهو نوع من التنزيه العقلي أو الإيمان الفلسفي والمفارقة الطبيعية. وهي قريبة من الإنية المحضة، الواحد الحق. والعلة الأولى هي الحيز المحض. وكل وحدانية مستمدة من وحدانيته. وكل نفس لها فعل إنساني وفعل عقلي وفعل إلهي. والفعل الإلهي يدير الطبيعة بالقوة، وهي قوة ذاتية وعقلية وإلهية. والقوة الإلهية فوق كل قوة عقلية ونفسانية وطبيعية. والعقل نوعان: عقل فقط لا يقبل الفضائل إلا بتوسط، وعقل إلهي يقبل الفضائل عن العلة الأولى مباشرة. ويعلم العقل الإلهي الأشياء ويدبرها. والمدبر هو الله تبارك وتعالى، والعقل هو المبتدع الأول الأكثر تشبها بالله. ويفيض بالله تبارك وتعالى على الأشياء. ويتقدم الله تبارك وتعالى العقل بالتدبير. وكما يبدأ الكتاب بالبسملة والتوفيق بالله ينتهي بالحمد له والصلاة على محمد وآله والسلام إلى يوم الدين. يتم إذن تعشيق أرسطو في الإسلام، والعقل الأول أو العلة الأولى مع الله في منطق التشكل الكاذب حتى يمحى الفرق بين أرسطو والإسلام. لا يكفي التنزيه العقلي لحساب اليونان، بل يضاف إليه الإيمان الفلسفي لحساب الإسلام.

| سادسا: الانتحال الأفلوطيني (الإسلامي)

وأفلوطين ليس بشخصيته، بل بالتيار الذي يمثله، حكمة الإشراق، وهو التيار الموجود داخل الحضارة الإسلامية في الفلسفة الإشراقية عند الفارابي وابن سينا، وحكمة الإشراق عند السهروردي. لذلك كان من السهل نسبة «رسالة في العلم الإلهي» إلى الفارابي لأنه أقرب الفلاسفة المسلمين لروح أفلوطين، الشيخ الإسلامي والشيخ اليوناني سيان.

1

وهي نصوص منتزعة من تاسوعات أفلوطين من الخامس كما تدل على ذلك مصطلحاته. مترجمها هو نفس مترجم التاسوعات عبد المسيح بن ناعمة الحمصي المعاصر للكندي. فالفارابي هو الشيخ الفاضل الفيلسوف العالم الزاهد الذي فاقت ألقابه الصوفية ألقابه الفلسفية. فلا فرق بين نصوص أفلوطين ونصوص الفارابي نظرا للاتفاق بين الشيخين، الإسلامي واليوناني. وهو الذي نسب إليه أيضا كتاب «إيضاح في الخير المحض» لأبرقلس نظرا لوجود موضوعات الخير المحض في «عيون السائل»، مع أن الأول نقل والثاني إبداع.

2

وكلاهما بنية حضارية قديمة لاحتواء الفيض. مع أنه لا يذكر ضمن مؤلفات الفارابي ولا يتضمن أي نص له، وبعيد عن «تلخيص مبادئ الكل لأرسطو». نسب إليه لأنه إشراقي كما نسب الإنجيل الرابع الإشراقي إلى يوحنا اللاهوتي أحب تلاميذ السيد المسيح إليه والذي أسند رأسه على صدره في العشاء الرباني كما يبدو في اللوحة الشهيرة.

ولا يهم مؤلف النص، الشيخ اليوناني أم الشيخ الإسلامي، بل المهم هو اتفاق مجموعة من النصوص في نفس الروح.

3

وبالتالي يمكن تجميع عدة موضوعات متشابهة في اتجاهها ووضعها تحت أي عنوان ونسبتها إلى أي مؤلف يوناني أو إسلامي، فالحكمة خالدة

Philosophia Perennis

لا يمتلكها أحد، لا الآخر ولا الأنا. حكمة الكل عبر العصور: أثولوجيا أرسطاطاليس، مع رسالة في العلم الإلهي للفارابي، مع كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي من تلخيص ابن رشد، ورسالة لواحد من فضلاء اليهود يهوده بن سليمان بين فيها نقصان براهين أرسطو في قدم العالم على ما ورد في شروحه في كتاب البرهان اعتمادا على شرح ابن رشد وتفضيل براهين أخرى اعتمادا على كتب أرسطو الأخرى «السماع الطبيعي» و«السماء والعالم» و«ما بعد الطبيعة». فالحكمة الخالدة جعلت ابن رشد أيضا إشراقيا لأنه في نفس الوضع الذي كان فيه أرسطو من قبل، عقلي طبيعي، وكأن ابن رشد في حاجة إلى أثولوجيا قدر حاجة أرسطو. وشارك في هذه المجموعة يهودي فاضل. فالحكمة الخالدة لا تجمع فقط اليونان والقرآن، بل تجمع أيضا الأديان، حكمة موسى وحكمة محمد. ولا توجد حقائق نظرية بقدر ما توجد قدرات برهانية. فالمهم في قدم العالم ليس خطأ العقيدة أو صوابها، بل دقة البراهين المستعملة وأحكامها من مجموع كتب أرسطو نفسه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٧٠