50
والحقيقة أن لفظ أثر لفظ متشابه. الأثر متعدد المستويات: المستوى الأول اللغة، وهو ما حدث في علوم الحكمة، هو المستوى الظاهري الشكلي الخارجي. وهو ليس أثرا بالمعنى الدقيق بعد عصر الترجمة، بعد أن أصبحت اللغة مشاعا عند الجميع، لا فرق بين وافد وموروث. إنما الخلاف بين اللفظين المتشابهين هو خلاف فقط في علم الأصوات، في طريقة النطق مثل عقل
NOUS
الله
THEOU
طبيعة
PHUSIS ، نفس
PSYCHE
أو في الأصل الاشتقاقي الحسي الذي غالبا ما يشابه أيضا سواء في الصوت مثل عقل
LOGOS ، صراط
STRATA
أو في المعنى مثل روح
PNEUMA
وكلاهما من معنى الريح أو الهواء.
51
والمستوى الثاني المعنى، والمعنى لا يستورد ولا يفد لأنه يفيد الشيء. والشيء واحد، يفيد معنى واحدا. فالعالم
COSMOS ، والإنسان
ANTHROPOS . المعنى واحد وإن اختلفت التصورات والمفاهيم، وهو المعنى الخاص للعالم وللإنسان في كل حضارة ولدى كل شعب. والمستوى الثالث الشيء المفيد للمعنى والمعبر عنه باللفظ. وهذا أيضا لا استيراد فيه ولا إيفاد؛ فالأشياء لا تنقل. والمستوى الرابع هو الذي قد يحدث فيه تفاعل والتقاء بين حضارتين، مستوى التصورات والمفاهيم الخاصة بكل حضارة والتي قد تتزاحم وتتداخل وتتبادل لصالح الحضارة الناشئة التي في طور التكوين؛ فالعلة الأولى في علوم الحكمة خالق، والمحرك الأول يعتني بالعالم. وهي تصورات جديدة على التصورات اليونانية التي جعلت العالم يشارك العلة القديمة في بعض مظاهر قدمها سواء في الفكر أو في المادة، والتي جعلت العالم يتحرك نحو المحرك الأول عشقا دون تدبير أو عناية. ويتم التأثير باستمرار لصالح الألفاظ في الحضارة الوافدة؛ إذ تدخل إليها تصورات جديدة لم تكن فيها من قبل، وليس لصالح الحضارة الناشئة التي لا تستعمل الألفاظ المشاعة بعد عصر الترجمة حرصا على وحدة الثقافة، وثقة بالمعاني والتصورات والأشياء. ولا مشاحة في الألفاظ.
وقد يتعدى الحكم الخاطئ النقل والأثر إلى سوء الفهم والخلط والتوفيق الهجين بين الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي، بين الحكمة والشريعة، بين العقل والإيمان، بين الفيلسوف والنبي، بين أرسطو ومحمد. إن أقصى إبداع لعلوم الحكمة هي الشروح والملخصات على أرسطو خاصة، صائبة أحيانا وخاطئة في معظم الأحيان، تخلط بين أفلاطون وأرسطو، بين أفلوطين وأرسطو، من عقلية لا تعرف النقد التاريخي أو الموضوعية العلمية. وهو أيضا حكم عام ومبتسر يحكم على ظاهر الأشياء. ويرجع الخطأ في الحكم إلى سببين: ذاتي يتعلق بعقلية المستشرق، وموضوعي خاص بطبيعة العمليات الحضارية التي تحدث في حالة التقاء الوافد والموروث في حضارة واحدة؛ فعقلية المستشرق عقلية مفرقة، تقوم على التمييز والفصل ورصد الاختلاف أكثر من رؤية التشابه إثر تجربة العصور الحديثة التي كشفت مخاطر الخلط بين الكنيسة وأرسطو، بين الإيمان والعقل، بين الدين والفلسفة، بين الكتاب المقدس المغلق وكتاب الطبيعة المفتوح. ولما كان المستشرق ابن حضارته فقد حكم على كل نتاج حضارة يقوم على الجمع بين الثقافات والتزاوج بينها، ورؤية العالم من منظور الوحدة أكثر من منظور الاختلاف بأن ذلك خلط وتلفيق وتوفيق، ويقوم على سوء فهم لأحد الطرفين، هو الغالب الوافد لتقريب المسافة بينه وبين الموروث. فأرسطو هو الفيلسوف النبي، حكيم اليونان، المعلم الأول، وسقراط أحد صوفية المسلمين، وهرمس هو النبي إدريس، وأفلوطين هو الشيخ اليوناني، فتقريب الوافد إلى الموروث أكثر من تقريب الموروث إلى الوافد؛ لأن الوافد يمكن تأويله بسهولة، في حين أن الموروث له قواعده وأصوله. وقد أمكن تقريب الوافد إلى الموروث عن طريق نسبة أعمال إلى أرسطو، تاسوعات أفلوطين، حتى يبدو كاملا، وبالتالي يصبح نموذج الفيلسوف الكامل، خاتم الأنبياء. كما أمكن تقريب الموروث إلى الوافد عن طريق التأويل العقلي للنصوص خاصة وأن علوم الحكمة قد وحدت بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة، بين الوحي والعقل، استئنافا للاعتزال في جعل العقل أساس النقل، وتأكيدا لموقف الفقهاء، أن من قدح في العقل فقد قدح في النقل، وأن الاتفاق مع بداهة العقل وشهادة الحس والوجدان أحد شروط التواتر.