تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك عدة رسائل من أرسطو إلى الإسكندر. وإذا كان أرسطو هو المعلم الأول، فليس من المعقول ألا ينشأ في بيت علم، وألا يكون أبوه نيقوماخوس رجل علم وتأليف. له كتاب أيضا من الصعب تسميته ووضعه في علم معين. يكفي فقط أن يكون كتاب نيقوماخوس والد أرسطو.

10

ومن ثبت مؤلفات أرسطو يتضح أن الكثير منها منحول مثل كتابه في رسم نيل مصر، ويسمى «فاري طونيل». ومكون من ثلاث مقالات. وليس من المعقول ألا يكتب أرسطو كتابا في وصف النيل كما فعل هيرودوتس من قبل في وصف مصر وجعلها هبة النيل.

11

وكتب أرسطو إلى الإسكندر: «إذا أعطاك الله ما تحب من الظفر فافعل ما أحب من العفو.» وفي حوار منتحل بين أرسطو ورسول الإسكندر بطريقة الحوار الأفلاطوني يظهر أرسطو الصوفي الذوقي وهو يحاور في العدل والحكمة والشجاعة والعفة، فلسفة أفلاطون في الفضائل الأربعة مركبة على حامل تاريخي وهمي.

12

وفي حوار بين أرسطو وأفلاطون قال له معلمه أفلاطون: ما الدليل على إثبات الله تعالى؟ وكأن أرسطو إبراهيم الخليل أو أحد المتكلمين أو الفلاسفة المسلمين. وأجاب أرسطو رمزا وكأنه أحد كبار الصوفية يستعمل لغة الذوق: «كنت أشرب فازداد ظمأ حتى عرفت الباري فرويت من غير شرب. وقد انفرد الله بطبع الخلق، وهو الموفق ولا قوة إلا بالله.»

13

وفي كتب التاريخ المتأخرة يكثر الاستشهاد بالمنتحلات مثل وصايا أرسطو الأستاذ للإسكندر التلميذ طبقا لعلاقة الشيخ بالمريد. وبطبيعة الحال أن يكون للانتحال سياقه النفسي والتاريخي. فلما اشتدت العلة على الملك فيليبوس وأوصى بالملك إلى الإسكندر، تدخل الأستاذ وكتب وصيته له تعينه على ملكه الجديد.

14

والوصية «وصية أرسطاطاليس إلى الإسكندر» أقرب إلى الانتحال اليوناني الأول منها إلى الانتحال الإسلامي الثاني، لأنها ما زالت تقوم على الأخلاق العقلية المثالية دون تدخل الدين المباشر إلا نادرا. وهي تقوم على النصح بالرغم من حدود النصائح. وتبدأ بنصيحة الملك قبل نصيحة الرعية، تغيير الحاكم قبل تغيير المحكومين. والأخلاق طريق السياسة وأسلوب الحكم مثل زهد الحاكم والسيطرة على انفعالاته مثل الغضب والغيظ والرغبة في الانتقام والشهوات. وتطالب بمجالسة الحاكم للعلماء واطلاعه على كتب الحكمة. وتحذره من الكذب، وتدعو إلى سرعة ائتلاف القلوب وإصلاح الوزراء والأعوان قبل إصلاح الأحوال. وتجنب العقوبات الرادعة حتى لا ينفر القلوب. فأهم صفة للحاكم هي الرحمة مع العدل، جمعا بين الأشاعرة والمعتزلة. وبالرغم من ذكر هوميروس في النص مما يدل على الجذر اليوناني في الانتحال، إلا أن الدين يظهر مشيرا إلى البيئة الثقافية الإسلامية للانتحال الثاني. فوصية أرسطو إلى الإسكندر مثل وصايا الله للبشر. فإن الله تعالى ذكره لم يرض لنفسه من الناس إلا بمثل ما رضي لهم به منه، مثل الترحم والتصدق والجود. فالأخلاق العقلية هي نفسها الأخلاق الدينية. وما يأمر به العقل يأمر به الوحي. وكلاهما الطريق لاحترام الذات ورضوان الخالق. تقوم الوصية على الجمع بين الدنيا والدين. فقد تأتي الدنيا بلا دين وهو الخسران المبين. تأتي ثم تدبر. ولا يقوم كلاهما إلا بالعمل الجاد والمثابرة وتأدية الأمانة. فالفعل الإنساني هو الذي يقيم الدنيا والدين، الكدح في الأرض والسعي فيها. لذلك وجب الاجتهاد ومشورة العلماء. والعدل ميزان الله عز وجل في أرضه. وبه يؤخذ حق الضعيف من القوي. فمن مال هذا الميزان في يده عم الجهل والظلم، واغتر بالله أشد الغرور. وتنتهي الوصية بسؤال الله عز وجل الذي اختار العدل لنفسه وأمر بالقيام عليه واستعماله في خلقه أن يهتم الإسكندر ويجعله من أهله والقوام به في عباده وبلاده. ومثال ذلك أيضا «رسالة أرسطاطاليس للإسكندر في السياسة» في الانتحال اليوناني الأول، المثالية العقلية الأخلاقية، وفي الانتحال الإسلامي الثاني ضمها إلى الدين فتتحد الحكمة بالشريعة. وهي رسالة في الأخلاق كأساس للسياسة. تحلل انفعالات النفس مثل التعجب والسرور كمدخل لتطبيق السنة أي القانون، صبا لمعاني الوافد في لغة الموروث. وتعتمد على أمثلة من فارس وملوكها مثل دارا. وتذكر بابل ويضرب المثل بلوفرغس وتطبيقه السنن في مملكته. فإقامة السنن صلاح للعالم. وهي أولى من استتباب الدول بالحروب. وتحتاج السنن إلى من يدبرها، إذ لا يكتفي الناس بتطبيقها طواعية، وتلك وظيفة الإمام بتعبير الفقهاء. وشرط الرئيس أن يكون باختيار الناس إجماعا وليس اغتصابا للملك. وإلا تنقلت الرياسات من ملك إلى ملك، ومن مدينة إلى مدينة ، كما هو الحال في بلاد آسيا وبلاد أور. فقد حكم ملك آشور حينا أهل الشام وسوريا، ثم خلفه حاكم من فارس. فالشرق موعظة للغرب، واليونان درس في الديمقراطية للفرس. ولا تصلح المدن إلا بصلاح الرؤساء، فالناس على دين ملوكهم. ومن سمات الملك الكمال، ليس في الشجاعة والعدل وأصناف الفضائل فحسب، بل في القوة والعدة أيضا، جمعا بين العدل والقوة كما هو الحال في شروط الإمام عند الفقهاء وإلا انهار الملك.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٦٢