15
كما أنها في مدن لقذيمونة وأثيناس ببلاد اليونان. وللملك أعوان من أهل الصلاح، يملكهم بالعدل لا بالمال. يعمل لصالح الناس بالعدل وحسن السيرة. «إن العدول لا يخافون إلا الله.» وهنا يتم تعشيق الوافد في الموروث، وتبدأ آليات الإبداع في نقطة مشتركة هي العدل أساس الملك في الوافد، والعدل مخافة الله في الموروث. ويدعو أرسطو للإسكندر بأن يسعده الله ويمكن له في الأرض. والعدل محمود عند الحكماء والأنبياء. وينال الملك طيب الذكر بحسن السيرة والبلاء في الحروب وعمران المدائن، تلك فضائل اليونانيين. وأفضل ذكر حمية القلوب، وتلك فضيلة المسلمين. وينهي أرسطو الرسالة مودعا: «والسلام إليك وعليك.» ويستنكف الخوارزمي المتأخر أن يذكر اسم أرسطو ويسميه «أستاذ الإسكندر». ويذكر هذه النصائح السياسية في باب «في الأسباب المزيلات للدول في كتاب أسرار الوزارة». فالسلطان على أجساد الرعية وليس على قلوبها. وتطاول الملك على الرعية والجند يجعله معرضا للهلاك، ويذكره بالموت وأخلاق السباع، والفخر بما لا يزول، ويحذره من الإفراط في الشراب، فالسكر على الملك حرام. ويبين له أنه عند الغضب يعرف الرجال، وأن الشهوة في خدمة العقل في حالة إقبال الدولة، والعقل في خدمة الشهوة في حالة إدبارها، وكأن الأخلاق تتغير بتغير لحظات قيام الدول وسقوطها؛ أي في وقت ازدهار المجتمعات وانهيارها، الأحرار يخدمون الدولة في حالة نهضتها، والسفلة في حالة انهيارها، ويبقى الملك طالما حفظت العمارة أي العمران وقامت الشريعة أي النظام. ويتقرب الأخيار إلى الملك بالنصيحة. وكل مفاسد العمال والأمراء منسوب إلى الملك الذي يتحمل مسئولية كل شيء. تنتقل الوصايا من الأخلاق الاجتماعية إلى الأخلاق الفردية. فإصلاح النفس يأتي قبل إصلاح الغير. وتنتهي الوصايا بحكمة أن الأيام تهتك الأسرار.
16
إذا كانت كلها نصائح حسنة فلماذا تكفير الفلاسفة إذن؟ ولماذا يتم تكفير أفلاطون وهو أشد تدينا من أرسطو؟ يبدو أن روح العصر أحد عوامل الانتحال. فالعصر مهتم بالملك دون الفكر، وبالدولة دون الحكمة، وبالعمل دون النظر.
ومن الطبيعي أن يحاور الإسكندر قواده ويراسل أصدقاءه، فقد قال له قواده إن الله قد بسط ملكه وأظهر قدرته. فالإسكندر صورة في أذهان أصحابه، كما أن المسيح صورة في أذهان الحواريين.
17
ومن آداب الإسكندر قوله لأصحابه: «والله ما أعد هذا اليوم من أيام عمري في مملكتي.» وكأنه يعبر عن قسم إسلامي. ويكثر من استعمال اللهم، مثل: «اللهم إلا أن يكون العمل قد شمله.» ويدعو معهم إلى أن التمسك بطاعة الله أحسن من الوقوف على المعصية.
18
وقد تم انتحال وصايا أم الإسكندر إلى ابنها وخوفها وجزعها عليه من أهوال الحرب على نمط جزع أم موسى على طفلها موسى بعد أن ألقته في اليم:
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ، وجزع يعقوب على فقدان ابنه يوسف. وهناك رسالة الإسكندر إلى أمه ورسالة أرسطو أيضا إليها، تعبيرا عن البر بالوالدين وحسن معاملتهما.
وتبرز الألقاب في عملية الإبداع باعتبار أن الألقاب أوصاف مثالية للمبدع، مثل وصف أم الإسكندر ابنها بالضعيف المتأله بناء على أنواع الحكماء عن السهروردي أستاذ الشهرزوري المتوغل أو المتوسط أو الضعيف في التأله والبحث معا أو في أحدهما دون الآخر على درجات متفاوتة.
19
وأعطي الإسكندر لقب ذي القرنين حتى يتم توحيده مع ذي القرنين المذكور في القرآن. وعندما يراسل الإسكندر أمه يكتب: «من عبد الله الإسكندر.» فليس من المعقول أن نبي الله ذا القرنين لا يكون اسمه عبد الله. ويدعو في رسالته الله: «رب أنلني رضاك، فكل ملك باطل سواك.» ويزينها ببيت الشعر الصوفي، ويدعو في النهاية للجميع بالتوفيق.
20
وتشبه قصة ولادة الإسكندر ولادة إسماعيل بعد عقم أبيه، وولادة مريم بعد عقم زكريا، وظهور حية لأبيه في المنام تخبره بأنه سيكون له ولد: «لقد وهب الله لك غلاما يحيي ذكرك ويقوم به نسلك.» وقد من الله تعالى على هذا العصر به. وقد رد أرسطو على فيليبوس والد الإسكندر حامدا الله الذي جعله أهلا لما آتاه من العلم. وقد عرف الإسكندر ببعض الإنذارات أنه سيموت في رومية المدائن، ومات فيها كما يتنبأ الأنبياء. ولماذا لا يتنبأ وهو ذو القرنين. تدور الشائعات حول موته كما يحدث في مولد ووفاة كل زعيم حول قتل خدمه له بالسم.