4
وتلك عادة الشعوب في عمل وصية أو عهد للميت. إن القصد من الانتحال هو إكمال الناقص ذهنيا وفكريا وحضاريا أولا ثم إيداع ذلك تاريخيا ونصيا وتدوينيا ونقلا. فليس من المعقول أن يكتب أرسطو في الحيوان دون أن يكتب في النبات. فهو موضوع واحد الطبيعة، على مستويين مختلفين، النبات أولا ثم الحيوان على ما هو واضح في تركيب النفس النباتية التي تضم وظائف ثلاثا: التغذية والنمو والتوليد، والحيوانية التي تضم بالإضافة إلى هذه الوظائف وظيفتين أخريين: الحس والحركة.
5
ولماذا لا يكتب أرسطو كتابا في النبات وقد ألف كتابا في الحيوان وعدة كتب أخرى استمرارا لمشروعه في دراسة الكون والفساد؟ فالانتحال إذن يتضمن ثلاثة عناصر: الأول إكمال الناقص عقليا، والثاني إكمال الناقص دينيا، والثالث الإكمال بنفس روح المذهب واتباعا لبنيته الداخلية. الفيلسوف هو الذي يكتب سواء كان حيا أم ميتا. والحضارة الجديدة تكتب نيابة عنه. إن كان قد مات فروحه مستمرة في روح الحضارة والتي تعيد إنتاج نصوصه كاملة غير منقوحة بصرف النظر عن مؤلفها الأول الذي مات أو الثاني الذي ما زال حيا.
وكلما استقل الفكر وأصبح له صدقه من داخله يتفق مع العقل والطبيعة أصبح حقيقة خارج التاريخ وينسب لكل الحكماء من أجل التعظيم والإجلال. ولا ضير من نسبة القول الواحد إلى أكثر من حكيم ما دام النص المنسوب على نفس قدر الحكيم المنسوب إليه. مثال ذلك نص كسرى أنوشروان الشهير في فلسفة السياسة الذي دخل في كل نصوص الفكر السياسي الإسلامي اليوناني والفارسي والمنسوب إلى أرسطو.
6
فليس اليونان بأقل قيمة من الفرس. والنص يقوم على بنية عقلية محكمة، ثمانية مقاطع، آخر كلمة في المقطع هي أول كلمة في المقطع التالي على النحو الآتي: (1)
العالم بستان
سياجه الدولة (2)
الدولة سلطان
تحجبه السنة (3)
السنة سياسة
يسوسها الملك (4)
الملك راع
يعضده الجيش (5)
الجيش أعوان
يكفله المال (6)
المال رزق
يجمعه الرعية (7)
الرعية عبيد
يستملكهم العدل (8)
العدل ألفة
به صلاح العالم
ومعظم المقاطع رباعية، الكلمات في شطرين يسهل حفظه واستيعابه وتكراره ونقله ونسبته إلى كل عظيم. ولا يوجد هنا مجال للنقد بل للتمثيل والاستيعاب والتبني باعتبار أن النص يحتوي على تنظير ممكن وعقلانية ظاهرة. في حين أن الفقيه هو الناقد الذي يراجع الوافد على أساس الموروث كما فعل ابن تميمة في المنطق. فإذا كان العدل ميزان الله عز وجل فإن باقي المقاطع قد لا يتفق مع العقلانية المعاصرة، فالملك الذي يعضده الجيش انتهى إلى الحكم العسكري، والجيش أعوان يكفله المال انتهى إلى الارتزاق، والمال رزق يجمعه الرعية قد يؤدي إلى الرق، والرعية عبيد يستملكهم العدل واجبات دون حقوق.
7
والكتب المنتحلة لأرسطو في السياسة كثيرة. فمن الطبيعي أن يكتب المعلم لتلميذه كتبا لتربية القائد أو يوجه إليه رسائل أو يعطيه بعض النصائح والمواعظ والوصايا الشفاهية مثل كتاب أرسطو إلى الإسكندر في السياسة أو علم آداب الملوك الذي كتبه أرسطو لذي القرنين.
8
مثال ذلك «مقالة لأرسطاطاليس في التدبير» نقل عيسى بن أبي زرعة.
9
وليس لها أصل يوناني معروف، فهي إما مما فقد من أعمال أرسطو أو أنها إبداع خالص في الثقافة الإسلامية قام بها مسلمون أو نصارى. قد يكون الدافع على الانتحال هو إكمال أرسطو المنطقي الطبيعي الإلهي بأرسطو الأخلاقي. صحيح أن له الأخلاق إلى نيقوماخوس والأخلاق إلى أوديموس، ولكن تظل الحكمة العملية في مجموع أعماله أقل من الحكمة النظرية. كما أن الحكمة الإلهية أقل بكثير من الحكمة المنطقية والحكمة الطبيعية. لذلك تمت نسبة «أثولوجيا أرسطاطاليس» إليه. وهو تلميذ أفلاطون. ولأفلاطون وصية في تأديب الأحداث. فلماذا لا يستأنف التلميذ بمقالة في التدبير عمل أستاذه؟ ونظرا لأن أفلاطون إلهي، فقد تم الانتحال الثاني للوصية على نحو ديني واضح وبمنظور إسلامي ظاهر. أما أرسطو الحكيم فظلت مقالته في التدبير أقرب إلى الأخلاق العقلية اليونانية المثالية التي تتفق مع معيارية الأخلاق الإسلامية دون إعادة إنتاجها من منظور إسلامي صريح. إذ يقوم التدبير في الانتحال الأول على جلب المنافع ودفع المضار. وهي رؤية فقهية. وآلة ذلك العلم والعمل، والبداية بتأديب النفس قبل تأديب الغير. ويكون هذا بإعطاء الدين حقه وإشعار النفس حظها، ثم تعهد الإخوان بإحياء الملاطفة ثم تأدية الفروض لأهل المعاشرة والأعداء والصبر عليهم واتقاء شرهم، ثم إعطاء إخوان الإخوان شعبة من الحفظ والتذكير. ويكون ذلك بإسقاط المن على الناس، وتعهد الملوك والنصحاء والصلحاء والأكفاء والضعفاء، ورعاية المعيشة بالإصلاح وحمايتها من الأعداء والحساد والمنافسين وذوي الشبهات، كل ذلك بمعونة الله وحسن تأييده، فله الشكر دائما إلى أبد الآبدين، وهي اللازمة الدينية الوحيدة في المقالة.