تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

67

| رابعا: الانتحال الأرسطي

(1) أرسطو والإسكندر

ولا يهم التحقق من صحة نسبة النص المنقول إلى صاحبه. فهذه رؤية حديثة نتجت بعد اكتشاف أن كتب العهد القديم والجديد لا تنسب إلى أصحابها. ثم عمم الاستشراق ضرورة إثبات صحة النسبة خارج حضارته. مع أن النص المعقول في الحضارة الإسلامية مستقل عن مؤلفه ومترجمه، بل وقارئه. لذلك لا يهم نسبة هذا النص أو ذاك لأرسطو أو لغيره. ولا يهم إن كان صحيحا أم منحولا. بل إن المنحول أدل على روح الحضارة من الصحيح. الصحيح نقل والمنحول إبداع. الصحيح تاريخ والمنحول حضارة، الصحيح واحد والمنحول متعدد، الصحيح قديم والمنحول جديد، الصحيح موت والمنحول حياة.

هل ضاع نص أرسطو؟ هل وجد ولكن لم يعرفه العرب؟ هل ترجم ولكن لم يهتم به العرب؟ وبما أنهم قد اهتموا به بدليل ازدهار علم النباتات والأعشاب (ابن البيطار)، فقد حضر النص حضاريا بصرف النظر عن الوجه التاريخي لهذا الحضور. وتقوم دعوى النسبة الخاطئة على لا دعي سلبي وهو من قدرة المسلمين على تصور الوثيقة التاريخية من حيث مؤلفها واكتمالها مع أن علم الوثائق من أهم العلوم عند المسلمين نظرا لأهمية الوثائق الشرعية، والمكاتبات، السجلات، وحجج الوقف. والحقيقة أنه لا يوجد خطأ تاريخي، فالتاريخ ليس به خطأ وصواب، ولكن هناك إعادة إنتاج للنصوص ابتداء من المنبع الأول وهو النص الأصلي.

1

ولا تهم صحة نسبة كتب أرسطو إليه، أيها صحيح وأيها مشكوك فيه.

2

ومع ذلك كان المسلمون على وعي بقضية الانتحال وبضرورة النسبة الصحيحة للنصوص لمؤلفيها. فإن كان هناك شك فيتم التعبير عن ذلك بعبارة «المنسوب إلى» تنبيها للقارئ على الشك في صحة النسبة.

3

أما قضية الانتحال فلا تهم من حيث هي تاريخ محضر، إثبات أن أفلاطون أو أرسطو ليس هو صاحب هذا العمل أو ذاك. إنما أهميتها في دلالتها على النقل، بل الإبداع. فالحكماء ليسوا مؤرخين ولا باحثين نصيين مثل الأصوليين والمحدثين، بل هم مفكرون يفهمون النص ويتمثلونه ويعيدون بناءه. ما يهم هو فكر النص وليس مادة النص، روح النص وليس بدن النص. وسواء كان «أثولوجيا أرسطوطاليس» من أرسطو أو من أفلوطين، من «ما بعد الطبيعة» أو من التاسوعات، فهذا لا يغير من الأمر في شيء ما دام كل حكيم عنده إلهيات. وهذه هي إلهيات أرسطو بعد أن فقدت إلهياته من مؤلفاته. ليس الحكماء مؤرخو فلسفة أو ناقدو نصوص، بل هم فلاسفة. الغاية من الحكمة تمثل الثقافات الأجنبية من أين أتت، من أفلوطين أو من أرسطو. والمستشرقون وأتباعهم من العرب بإثارتهم هذه المسألة يريدون جعل الحكيم مؤرخا، والمفكر ناقدا نصيا، والأمر ليس كذلك. وإن كثرة الانتحال في الفلسفة اليونانية لا يمثل عيبا، بل هو ميزة؛ أي إبداع نصوص تعبر عن روح الفيلسوف أو ما ينقصه، ثم نسبتها إليه كعلم من الأعلام حتى يسهل تمثلها وإعادة بنائها مثل إبداع الإنجيل الرابع في البيئة الشرقية الغنوصية حيث تم نسبته إلى يوحنا، أقرب تلاميذ المسيح إليه، والذي كان يسند رأسه على كتف المسيح أثناء العشاء الرباني كما عبر عن ذلك رافائيل في لوحته المشهورة. بل إن النسبة الخاطئة لأكثر دلالة على الفكر من النسبة الصحيحة، وذلك مثل وصايا أرسطو إلى الإسكندر، كتاب التفاحة، ووصايا أم الإسكندر إلى ابنها. لم تكن صدفة نسبة المقتطفات من التاسوعات لأفلوطين لأرسطو. إنما هي روح الحضارة العربية الإسلامية العامة التي وضعت النص في مكانه الصحيح لإكمال بنية الفلسفة كما وضعها الفيلسوف. ولو كانت حالة شك عند المسلمين لصحة النسبة لنسبوها إلى أرسطو لأن الأمم لا يهمها معرفة أرسطو التاريخي، بل روحها وحضارتها، وعلى أرسطو الاتفاق معها. وكتاب التفاحة لسقراط وأرسطو حوار أرسطو مع تلاميذه قبل وفاته مثل محاورة فيدون لأفلاطون، والإحالة إلى مؤلفات أرسطو من أجل صحة النسبة وإلحاق المنتحل بالصحيح خاصة كتاب ما بعد الطبيعة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٦٠