تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتأخذ بعض الأفعال الشرعية أسسا أخلاقية. فالشراب يفعل من الإيناس في ساعة ما لا تفعله المنافسة في سنة بشرط عدم الإفراط والعجز عن السيطرة على حسن تصريف الأعضاء. وأحق الناس بتناول الشراب من ضعف قلبه وقوي فكره. وهنا يبدو التوفيق بين شراب اليونان وحذر الإسلام. لذلك يضيف الانتحال حرمة النبيذ إلا لمن اضطر غير عاد، مثل ضعف القلب، أو على صاحب التمييز القوي؛ لأن السكر علة التحريم. وحرام الإضرار بالبدن عن طريق الطعام.

وتظهر بعض موضوعات الشريعة مثل الذبائح لدرء الشر عن العالم الناتج عن حركات الكواكب. وفي الهند يحرمون الذبائح، ويكثر قتل البشر. والأعقل أن تكون الذبائح لصالح الإنسان. فالانتحال هنا تشريعات مقارنة. ونقد الشرائع القائمة ليس في الغرب اليوناني وحده، بل أيضا في الشرق الهندي، ما دام الانتحال غير محدد ببيئة، وما دام الإبداع عملية ذاتية لا يهم موضوعها الخاص. والأعياد لراحة البدن عن طريق النفس.

64

وتبدأ المعاملات بالأحوال الشخصية، النكاح والأزواج والغسل والزنا واللواط والميراث وبر الوالدين. فالغسل واجب على الناكح من الجنابة. والزاني سارق للفرج، مفسد للنسل، جزاؤه العقوبة الأليمة على عكس المعاشرة الزوجية وما بها من جميل الصحبة وعظيم الوفاء. واللواط والسحق عدو على ما خلق الذكر والفرج له. ونكاح البنت والأخت والعمة والخالة حرام لضرورة. فالأرض التي تزرع نوعا واحدا لا تنجب، على عكس إباحة قوم من فارس له. فالشريعة الإسلامية أتت لتشق طريقها بين فارس والهند شرقا بتأييد اليونان غربا. مع أن اللواط كان في يونان. والانتحال تحويل لليونان إلى مثال لا نقص فيه. وتزويج الرجل من دونه يجلب إليه الآفات والمكاره. فالزواج بين الأكفاء طبقا للعادات القبلية التي تداخلت مع الشريعة في ديوان الأشراف. ونصيب الابن من أبيه أكثر من نصيبه ابنته لنسب الابن للأب، والبنت يصل إليها نسب غيره. وهو تشريع لقانون الميراث:

للذكر مثل حظ الأنثيين

عن طريق النسب.

65

وبر الوالد أفضل من حنو الوالدين؛ لأن الأول من العقل والثاني من الطبيعة. والوحي يتأسس على العقل والطبيعة. وتزداد محبة الوالد لولده على محبة الولد لوالده لرغبة الأب في البقاء من خلال النوع، فوجد الأب ذلك في الابن، ولم يجد ذلك في الأب، كما أن الأب يمتد من خلال مواهبه، من خلال مشاركة الولد فيها. وعلى الأب في ولده ثلاثة فروض: النفقة والتعليم والقناعة.

والصدقة إخراج المال لمن يستحق، لمن هو أولى به، مثل خروج الدم الزائد من الجسم بالفصد. ولا تجوز على السائل لأن المسكنة ذل ضد التعفف. وترد الوديعة حال استلامها. وعقاب السارق من المسروق مباح. والتعويض واجب في الجراح وليس في القول؛ أي على الضرر الفعلي الجسمي وليس النفسي الذي يقابل بالعفو والإعراض عن الجاهلين:

وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . ومن غش مستشيرا يتحمل مسئولية عدول المستشير عن الصواب. ومن أفتى بغير علم فقد جهل، ويستحق العقاب. والشريعة ضد الاحتكار لأنه إجحاف وملعون على لسان أسقليبوس. كما أنه ملعون على لسان الرسول. والملك في خدمة الشريعة، والملوك في طاعة قوامها المؤيدين بالعجائب الروحانية تبريرا للمعجزات.

وحتى يبدو الانتحال نابعا من الداخل بالإضافة إلى الخارج، من الموروث ومن الوافد في نفس، فإن كل ذلك مسطور في الصحف. لذلك يتخلل الانتحال كثير من الأساليب القرآنية مثل:

من كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، حثا على التعفف والزهد والمحافظة على أموال اليتامى والقصر.

66

ولا عجب أن تنتهي بعض المنتحلات ببعض التعبيرات الإيمانية مثل البسملات والحمدلات والتسهيلات والصلوات، سواء كان ذلك من المؤلف أو الناسخ أو القارئ. فالإبداع عمل جماعي. ولا بد أن يأخذ علامة الثقافة التي يتم الإبداع فيها. كلمة السر، الماركة المسجلة على الصناعة الوطنية. كما تظهر تعبيرات المشيئة مثل: «إن شاء الله.» وتنتهي بعض الأعمال بالحمد لواهب العقل والكياسة أو الله أعلم وأحكم. وتعطى لأفلاطون ألقاب التعظيم والإجلال مثل الفيلسوف الرباني، الحكيم اليوناني، تفلاطون، وتاريخ التأليف أو النسخ بالهجري مع اسم الناسخ المحتاج إلى ربه، مع بعض التعبيرات الفارسية إيغالا في إضفاء الطابع الشرقي عليه. ولا ضرر من إشراك القارئ في الخطاب، فهو جزء منه، والدعوة له بالتوفيق، والجواب على ما سأله طالبا له الهداية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٥٩