تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

ولا يفوت الانتحال ذكر اللسان اليوناني الأصلي الذي كتب به النص المنتحل لإعطائها نوعا من الأصالة الشرعية والإيحاء بالصحة التاريخية.

وقد جعل المسلمون أفلاطون يتحدث في كل الأنواع الأدبية الممكنة، الكتاب، والرسالة، والوصية، والكلمات والملتقطات، والفقر، والثمرة اللطيفة، بل والاعتراف بالمنحول كنوع أدبي.

27

ولكل نوع أدبي ميزته. الكلمات هي الأقوال، زبدة الفكر، والرسالة إجابة على سؤال مثل المستفتي والمفتي في علم الأصول. والوصايا ميراث النبوة مثل وصايا لقمان لابنه وهو يعظه.

28

وهي إبداعات قصيرة، في صورة أقوال وحكم وأمثال. وهو شكل أدبي معروف في البيئة العربية التي يتم فيها الانتحال دون بنية متكاملة. فالانتحالات الجزئية قبل الانتحالات الكلية. ولا تحتاج باستمرار إلى أسئلة للإجابة عليها.

29

وكما حاور سقراط تلاميذه في الليلة الأخيرة، والمسيح حوارييه في العشاء الرباني، كذلك حاور أفلاطون تلاميذه وقد حضرته الوفاة في موضوع خلود النفس. وقد يكون الحوار افتراضيا في صيغة «إن قيل ... قال» وهو الأسلوب الفقهي في الرد مسبقا على الاعتراضات.

30

ويغلب على الانتحال أسلوب التأليف والفيض الروحي. فهو من روائع الأسلوب الأدبي على عكس الترجمات التي يغلب عليها أسلوب النقل والقيد اللفظي. لذلك سهل الانتحال في الأدب خاصة الشعر، إبداع العرب الأول. ولا فرق بين خطبة أفلاطون في اجتماع الفلاسفة في بيت الحكمة وبين الإبداع الصوفي مثل أسلوب التوحيدي في «الإشارات الإلهية».

31

وتظهر عادات أسلوب التأليف الإسلامي مثل مخاطبة القارئ والدعوة له بالسعادة والتوفيق.

32

وقد يصل حد الانتحال إلى الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فلا فرق بين الأنا والآخر؛ إذ يعبر الأنا عن ذاته على لسان الآخر، ويعبر الآخر بلسانه عن ذات الأنا.

وفي الانتحال كل فن التشويق وعالم الرموز والأسرار مثل الصحيفة الصفراء التي تقرأ في قرابين الهياكل: «لا يرتفع الحسد عن أحد إلا رحمه الناس.» ومثل ألواح التوراة لموسى والألواح الذهبية ليوسف منو مؤسس المينونيين، واللوح المحفوظ، وصحف إبراهيم وموسى، والكتاب المسطور، والكتاب باليمين أو اللوح المعلق في العنق أو حتى الكتابة للدين أو للحقوق والشهادات. كما وجد في نفس الصحيفة الصفراء: «يا أيها الإنسان اكتم في هذا العالم حسن صنعك عن أعين البشر، فإن له عيونا أشرف منها من عمر ملكوت السموات ببصره ويجازي عليه.» وفيها حكايات مثل أراميس الحكيم الذي ضرب بالسيف مرتين، الأولى في يده اليسرى والثانية في خاصرته وهو يوصي لذوي الأمانة بالصدق والعدل قبل أن تفارق روحه جسده. وهو يدعو أيضا دعاء الصحف، ومثل حكاية الملك أراد تكفير قوام الشريعة فأيدهم الله بالآيات، فأصبح من خدامها. وتروى حكاية رجل من اليونانيين أنكر الدين الذي عليه وحلف بزيوس فعمي بصره. كما يضرب المثل على صدق القول برجل زوق الكلام أمام الملك لإطلاق سراحه، فلم يفعل، ثم عرض شكواه دون حسن القول فلم يؤجل. فلما عبر عن نفسه بصدق أطلق الملك سراحه. وحكاية مارينون ملك اليونانيين الذي يذكره هوميروس الشاعر لمعرفة الدلائل على صدق النبوة، وأن الحكيم هو النبي، والحكمة هي النبوة، وهو رأي أفلاطون. وحكاية المرأة التي أتت لشكاية زوجها إلى أسقليبوس وهو قائم في الهيكل، فأخبره بأنها هي التي خانته مع سكران في ليلة عيد الشمس وزوجها قائم في الهيكل. وحكاية ديوجانس الذي لم يقم للملك أساخس لأنه عبد الله ولا يقوم عبد لعبد.

33

وحكاية رفض الحكيم هدايا الملوك؛ لأنها تبين فقرهم.

ويتم اختيار المكان، الحجاز وما يرمز إليه من قوة الغر. واليونان هم الذين يتحدثون باسم الإسلام، عقيدة وشريعة. وملوك اليونان مصادر لروايات عنهم للتصوير والتشويق. كما اجتمعت الفلاسفة في بيوت الحكمة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٤٩