14
ونظرا لأن «العهود اليونانية» منتحلة لصالح اليونان فقد تحول اليونان في العهد الأول. عهد الملك إلى ولده، إلى مسلمين موحدين بالله، مصدقين بالصحف المنزلة قبل موسى. الخلافة عندهم عهد وليست شورى .
15
أما الفرس فتقتضي الأخلاق عدم ذلهم في مقابل مدح اليونان. فمن مزايا الفرس حسن السيرة ورجاحة الرأي وملك الأهواء وإنكار ذلك يتم عن تعصب وتسلط. وفي نفس الوقت ذم اليونان لتقصيرهم في السياسة غير صحيح. والدليل على ذلك «العهود اليونانية».
16
وفي العهد الثاني، عهد الوزير إلى ابنه بيان تعظيم اليونانيين للوزارة وانتخاب من صلح لها من سائر الناس بتتبع المواليد، واجتماع الناس في الهيكل للانتخاب مثل تولية أبي بكر القائم على الدستور. وكله نصائح للعمل بالدين موجهة للملوك وليس للناس لاسترداد حقوقهم. وتصنف أخلاق الملوك في أربع صفات كل منها لها أربعة احتمالات مما يدل على أهمية التقسيم العقلي.
17
وفي العهد الثالث، عهد العامي إلى ولده كان اليونانيون يصنفون الناس ثلاث طبقات، الملوك والوزراء والعامة. وهو عهد إيمان وتقوى وأن الله مطلع على كل شيء، على خائنة الأعين وما تخفي الصدور. تجب لله الطاعة حتى يحصل الإنسان على الثواب في الدنيا والآخرة.
18
والموضوع الإسلامي مثل الدعوة إلى المساواة بين الأغنياء والفقراء. والمصطلحات شرعية مثل الله والشريعة. والموقف فقهي مثل عدم الدخول في النزاع والشجار بين الصحابة وأهل السلف وطبقة العلماء. والرؤية إسلامية، تأسيس السياسة على الأخلاق، والأخلاق إسلامية ضد الزهد والرياء والنفاق، والعلاقة بين الإنسان والله، بين الراعي والرعية، وفضل العابد وتطبيق الشريعة، والاستنصار في الملة، وشكر الله على نعمه والثقة به والخوف من غضبه، وتجنب البخل، ومراعاة أحكام الدين.
19
وتظهر العبادات الإسلامية في العهد الثاني، عهد الوزير إلى ولده ابتداء من البسملة حتى التضرع إلى الله تبارك وتعالى، ونيل الحال المرضية عن الرب عز وجل وتهوين التعب للاقتداء بالرب عز وجل وسؤال الله والانتهاء بحمد الله، وتطبيق الشريعة حتى يصبح الإنسان مصورا في ملكوت السماوات.
20
والتوجه الإسلامي واضح من العنوان «العهود» والبدايات والنهايات الإيمانية في البسملات والحمدلات والصلوات على الرسول والدعوة إلى الانتفاع بالقرآن وكأنه تأليف إسلامي صرف.
21
ويمتلئ العهد بعبارات السلف الصالح وحمد الله عز وجل والخوف من الله والحمد له.
22
يشير السلف الصالح إلى سلف أفلاطون إسقاطا من السلف الصالح للرسول. وتنتهي العود بحمد الله وتوفيقه والصلاة والسلام على خير خلقه.
23
ومعظم المنتحلات تبدأ بأفعال القول «قال أفلاطون» مرة واحدة في البداية دون حرج؛ أي لم يقل بلسانه ولكن بروحه، ليس بشخصه ولكن بفلسفته، ليس أفلاطون الزماني بل أفلاطون الخالد.
24
وهي أقوال قصار تدل على عقلية الإبداع والأمثال والأقوال المأثورة، كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حتى يمكن تذكرها واستيعابها وضرب الأمثال بها. بل لقد اختلط البعض منها بأحاديث الرسول الموضوعة مثل: «لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.» يأخذ الانتحال شكل الآداب التي يتم فيها. النصائح والمواعظ والوصايا، مثل وصايا لقمان لابنه أو وصايا لقمان الحكيم. يغلب عليها الطابع العملي وليس التأملات النظرية. وهي أقرب إلى الأخلاق والسياسة منها إلى الكلام والفلسفة. وقد تتكرر أفعال القول أمام كل قول مأثور أو فقط في أوائل المقالات. معظمها في المبني للمعلوم «قال»، وأقلها مبني للمجهول «قيل». وقد تتعدد أفعال القول حتى لو كانت الكلمات قصيرة لا تتجاوز كل منها جملة واحدة.
25
وتتوزع هذه الأقوال بين أقسام الحكمة الرئيسية، المنطق والطبيعيات والإلهيات. وفي الإلهيات يغلب موضوع النفس وقواها والعقل وأنواعه. وقد تغيب الإيمانيات المباشرة والعقائد والشرائع الإسلامية، ولكن الفلسفة المثالية مثلها قريبة منها، الإعداد العقلي للإيمان والبرهان عليه. ويغيب في الأقوال فن التشويق، الحكايات والألغاز، لأن القول قصير لا يتحمل الأسلوب القصصي أو الرواية الطويلة بما فيها من حوارات وشخصيات متعددة. وتذكر فيها أسماء أعلام اليونان عرضا وأسماء بعض مؤلفاتهم.