10
وأولى الأشياء في الأمور التوسط تعبيرا عن روح الموروث، خير الأمور أوسطها.
وتعبر عن الرؤية الدينية للعالم. فالعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان. وتتكرر العبارة حتى يثبت الحدس الرئيسي ويتضح القصد. فأفلاطون هو الشيخ أفلاطون وهو أحيانا أفلاطون، والشيخ، والحكيم والفيلسوف. وفيثاغورس هو الشيخ فيثاغورس. ويتكرر لفظ الإله. فالإله الأول «جل ثناؤه» حر، وجعل الله بحكمته أدعية، وللإله تدبير دقيق. وهو الإله «عز وجل». وهو الإله الحق. كما تتكرر صفة الإلهي. فالدماغ محل الجزء الإلهي إلا أنه سيال، والنفس مسكن الجزء الإلهي، والدماغ عضو إلهي. كما يظهر لفظ الروحاني. ويتم الإحالة إلى إقليدس وأسقليبوس، الرياضة والتصوف، أفلاطون وهرمس. وتذكر منازل القمر كما هو الحال في القرآن:
والقمر قدرناه منازل . وفي البداية وفي النهاية تظهر العبارات الدينية، والبسملات والحمدلات وكأن المنتحل تأليف إسلامي أصيل.
11 (2) «العهود اليونانية» و«الرسائل»
وكتاب «العهود اليونانية» منتحل على أفلاطون من تأليف أحمد بن يوسف بن إبراهيم الذي عاش في مصر (254-270ه). فالانتحال بدأ في القرن الثالث موازيا للتأليف مما يدل على أنه تأليف مقصود كنوع أدبي جديد لإكمال الناقص في الوافد أو تسهيل تمثله بإعادة عرضه داخل الموروث وبلغته وتصوراته وربما على صلة بالواقع الاجتماعي والسياسي للعصر، الحكم المطلق العباسي أو البيزنطي، الأموي أو الخلافة الراشدة الأبوية أو الإيراني الثوري الذي انتسب إليه أبو جعفر المنصور. والسؤال الآن: أين أثر الديمقراطية الأثينية على هذا الفكر الأبوي التسلطي البيزنطي في الأعمال المنتحلة؟ لا يعني الانتحال «الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام»، بل يعني وضع فلسفة على لسان القدماء وبنفس الروح تسهيلا لتمثل الوافد وقبول الموروث له، وإكمالا للوافد على العقل إضافة الشرع إلى العقل، وإلا كان اليونان هم الأصول والمسلمون هم الفرع كما هو الحال في الاستشراق الغربي وامتداده العربي، وليس الفكر السياسي الإسلامي كله الكلامي والفقهي والصوفي بل في علوم الحكمة وحدها.
12
كان للفكر السياسي مصدران، فارسي ويوناني.
13
وانضم صاحب «العهود اليونانية» إلى الفكر السياسي اليوناني. الانتحال هو تأليف مقصود على لسان القدماء؛ يونان وفرس، أفلاطون وأرسطو والإسكندر، أو زرادشت وكسرى وهوشنج. أراد أن يضيف تأليفا جديدا على لسان أفلاطون كما أضاف يحيى البطريق «سر الأسرار» على لسان أرسطو. والدليل على الانتحال حديث أفلاطون عن نفسه مثل حديث موسى عن وفاته في التوراة. اعتمد فيه على السياسة؛ أي الجمهورية، ترجمة حنين بن إسحاق والنواميس ترجمة حنين ويحيى بن عدي. ووضع لها الفارابي جوامع «تلخيص نواميس أفلاطون».
ويدل عنوان «كتاب العهود اليونانية المستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطون وما انضاف إليه»، على أن السياسة أخلاق، عهد ووصية كما هو الحال في عهود الأنبياء ووصايا لقمان. وهو مستخلص من كتاب السياسة؛ أي يهدف إلى المعنى وليس إلى اللفظ، يعبر عن الروح وليس نقلا للعبارة. وهو من رموز كتاب السياسة وبالتالي الحاجة إلى التأويل حتى يكون الإبداع الحضاري حرا بلا قيد. وأضيفت إليه أشياء مما يسمح بالإبداع الحضاري، فهو أقرب إلى التأليف منه إلى الترجمة؛ فليس فيه اقتباس حرفي وافد من أفلاطون، بل هو تعبير عن أفلاطون الشرقي، روح الحضارة القديمة الجامعة للشرق والغرب. ويتضمن ثلاثة عهود: الأول من أدريانوس إلى ولي العهد، والثاني من وزير إلى ابنه، والثالث من رجل من رجال الطبقة الثالثة إلى ابنه. وواضح أن الخلافة عهد مثل عهد أبي بكر لعمر وليست شورى بين المسلمين. ولا تهم الأخطاء التاريخية. فالانتحال عمل حضاري في التاريخ وخارجه. لا يهم إذا كان أدريانوس قبل موسى أو بعده أو أن يكون لأفلاطون ابن وزير. المهم أن أدريانوس قبل موسى أي قبل التشريع وسابق على الوحي، وأن أفلاطون فيلسوف وملك. أدريانوس التاريخي مجرد بداية حضارية، شخصيته تحظى بالإجلال مثل يوحنا ويصبح نظيرا للإسكندر.