تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وتعرض مقدمة الرسالة الموضوع والقصد مع الثناء على أفلاطون لاتفاقه مع روح الحضارة الإسلامية؛ رفع النفس من الأمور السفلية إلى الأمور العلوية وحثها على الاستقامة والصلاح بأسلوب واضح وسهل للجميع اعترافا بنعم الله وشكر المنعم. وهي مقدمة تدل على أن المنتحل يريد أن يقدم عمله الإبداعي قبل تأليفه، يتمايز معه. المؤلف يتوحد مع عمله، والمنتحل يتغاير معه.

4

وتبتدأ المنتحلات وتختم بالبسملات والحمدلات والدعاء كما هو الحال في الترجمات للنصوص الصحيحة والشروح والمؤلفات، لا فرق في ذلك بين مؤلف إسلامي أو مؤلف نصراني. ويتم الترحم على المؤلفين مثل أفلاطون قدس الله روحه العزيز.

5

ويبدو الدافع الإسلامي على الانتحال، التعبير عن روح الحضارة على لسان الوافد والموروث في آن واحد، والتعبير عن التصور الإسلامي بمصطلحاته وألفاظه على لسان هرمس وأفلاطون وأرسطو. بل يصبح أفلاطون أكثر صوفية وإلهية وروحانية أكثر مما يتطلب التصور الإسلامي للعالم. فالنص روحي خاو من أي مضمون اجتماعي، يصدر عن بيئة صوفية خالصة، مسيحي بوذي هندوكي أكثر منه إسلامي، يشبه مضمونه القصيدة العينية لابن سينا ويبدأ بنداء «يا نفس» والابتهال إلى مبدع الأشياء ومبدئها ومنشئها بتعبيرات إسلامية «جل جلاله وتقدست أسماؤه». ويدعو النفس للتأمل في حكمة مبدع هذه الأشياء. فالتأمل في هذه المعاني دليل على لطف حكمة مبدع العالم. المبدع «جل اسمه» كالناطق الفائض بالمعاني والجواهر. هو أبسط الأشياء وقابضها ومبدئها ومعيدها وواضعها ورافعها ومنشئها ومبدعها. فمن عف عن الشهوات عفت مصائب الدنيا عنه، ومن أسرع إلى شهوات الدنيا أسرعت مصائبها إليه وخرج من الدنيا سقيما خاسرا بعيدا عن الله.

6

ومن المنتحلات «كتاب الروابيع» شرح أحمد بن الحسين لثابت بن قرة بالرغم من وضوح النص. فالمنتحلات أيضا ليست فقط موضوعا للترجمة، بل أيضا موضوع للشرح مع تمييز بين النص المترجم وشرحه كما هو الحال في التفسير الكبير لما بعد الطبيعة لابن رشد.

7

وهو نوع أدبي يعرفه الصوفية والفقهاء، سؤال من المريد إلى الشيخ بكل عناصر التشويق في السؤال وفي الجواب. وتدخل شخصيات خيالية مثل أوماتيطس تلميذ أفلاطون وكتاب «ديالفون»، وربما يقصد المحاورات التي ليست كتابا بل نوع أدبي. والاسم غريب «الروابيع»، ربما نوع أدبي مثل «الرباعيات» مع أن رمز الشرق هو العدد سبعة كما هو الحال في الفيثاغورية والإسماعيلية.

والمقدمة ضرورية للإخراج تمايزا بين المؤلف وعمله كما يفعل الفنان. فالانتحال عمل فني وإبداع حضاري. ويتغير مكان الحوار من اليونان إلى بابل على مصب الفرات حيث التقى الشيخ بالمريد الذي لم تردعه وصية الشيخ عن الاشتغال بهذه الصنعة. فغادر المريد الشيخ إلى اليونان بعد أن أدرك أن الشيخ ينفي عن نفسه تهمة الاشتغال بالباطل. ينبه الشيخ المريد على عواقب الأمور فيما يصير إليه من أمر الدهور، ولكن المريد يشهد بالواحد الحي أنه حريص على الصنعة، الكيمياء، دون نفع شخصي بل طلبا للحق والرشاد. فأفلاطون الصوفي يتطلب ظهور الشرق الروحي، جمعا لحكمة الخالدين. لذلك غلب على الانتحال طابع التجميع من هنا ومن هناك، والإحالة إلى اليونانيين، إلى أهل لوذيا في ادعاءاتهم وإلى أبقراط الطبيب وكتابه اليسابيع الذي فقد أصله اليوناني وليس له إلا ترجمة عربية مخطوطة وإلى باقي كتب أفلاطون، والإحالة إلى الهند جمعا بين الشرق والغرب.

8

وينتهي الكتاب أيضا بالاعتراف بالانتحال طبقا لروح أفلاطون.

9

وموضوعه علم الصنعة أو الكيمياء القديمة لتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن شريفة، فاستنبات الذهب مثل استنبات الفكر في الشعور. وتظهر العلوم كلها مجتمعة، طبيعيات وبيولوجية، بعيدا عن الإلهيات والأخلاقيات. ويتم التعرض للفلك وخرافات التنجيم وأثر الفلك على الأرض وعلى الطب. فالموضوع طبيعيات إشراقية. ومن الطبيعي أن يكون لأفلاطون طبيعيات تكمل الإلهيات، كما أنه من الطبيعي أن يكون لأرسطو إلهيات تكمل الطبيعيات لإبداع تصور متكامل للعالم عبر عنه الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس الحكيم.» والزهرة كوكب رطب يضاد العلم والنظر وله استيلاء على الدولة والملة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٤٦