وكما تنتحل النصوص تنتحل الوقائع في الوافد والموروث على حد سواء، مثل حرق الإسكندر كتب المجوسية، وهدم بيوت النيران، وقتل الموابذة والهرابذة، ونقل كتب النجوم والطب والفلسفة إلى اليونان. فهذا ليس من عمل تلاميذ أرسطو ولا الموحدين ولا الفلاسفة.
8
فالمنتحل الجاهل أراد أن يعظم الإسكندر فحقره، خاصة أن الانتحال قد يكون عملا جماعيا يساهم فيه الحكماء والجهلاء معا، الخاصة والعامة على حد سواء. ومن الموروث حريق مكتبة الإسكندرية عندما دخل عمرو بن العاص مصر. فالمنتحل أراد أن يضر بالدين الجديد عن جهل أو حمية.
وقد يكون النص منتحلا عند اليونان، ويزداد الانتحال في الترجمة العربية. مثال ذلك «الوصية الذهبية» لفيثاغورس.
9
انتحالا على انتحال. الانتحال الأول في الثقافة اليونانية ذو طابع أخلاقي، لذلك كان يقرؤها جالينوس كل يوم غدوة وعشية. والانتحال الثاني في الثقافة الإسلامية. ولكل ثقافة أهدافها. ولما كان فيثاغورس في الثقافة الإسلامية مؤسس الفلسفة الإشراقية كان المنحول أيضا إشراقيا. يوصي فيثاغورس بتقوى الله عز وجل، وبتبجيل الذين لا يحل بهم الموت من الله وأوليائه وإكرامهم بما توجبه الشريعة وتوق اليمين. والابتداء بالابتهال إلى الرب من أجل الوقوف على كنه ما يجري عليه الأمر في تدبير الله عز وجل وأوليائه. الله هو الأب الواهب للحياة، إذا كان في الناس جنس إلهي، فالطبيعة الإلهية تقوده إلى الوقوف على كل واحد من الأشياء. وفي النهاية تختم الوصية بحمد الله حق حمده. يظهر البعد الديني الجديد في الثقافة الإسلامية منذ البداية، ويستمر في الوسط والنهاية، فيتغلب الموروث على الوافد، وتدخل المثاليات العقلية في الإيمانيات القلبية بسهولة ويسر. المثاليات العقلية مثل ضبط النفس، وكتم الغضب، والسيطرة على الانفعالات، والإحجام عن القبائح، والإعراض عن الجاهلية. الكسب لا يكون إلا حلالا، والقصد في الطعام والشراب صحة للأبدان. محاسبة النفس ضرورية للترقي نحو الكمال، ويقظة العين تطهير للنفس. كل ذلك في أسلوب عربي رصين يوحي بأن الوصية تأليف وليست ترجمة، إبداع وليست نقلا، تعبيرا عن الثقافة الإسلامية، وتصويرا لأوضاع المجتمعات الإسلامية بعد إعادة توظيفها وإنتاجها من الوافد إلى الموروث.
| ثالثا: المنتحلات الأفلاطونية
(1) «معاذلة النفس» و«الروابيع»
وكتاب «معاذلة النفس» منحول لأفلاطون في إحدى النسخ، ولهرمس وأرسطو في نسخ أخرى.
1
فما يهم في الانتحال هو نسبة نص إبداعي يوناني أو إسلامي لأحد الحكماء العظماء السابقين الذي يتفق معه في الروح بصرف النظر عن الاسم، أفلاطون أو هرمس. ربما تم الانتحال في مصر قبل منتصف القرن السابع الهجري. فالانتحال ليس مواكبا فقط للترجمة والشرح والتأليف، بل مستمر باستمرار التأليف الفلسفي خاصة الإشراقي. ولا يهم شخص المؤلف، عربي شرقي، مسلم يهودي مسيحي، غنوصي أفلاطوني محدث، مانوي غنوصي؛ لأن روح الحضارة تضم كل هذه العناصر. وقد يكون الانتحال جماعيا وليس فرديا. ولا يعني نقد المسيحية أن المؤلف ليس مسيحيا، فكثيرا ما ينقد الحكماء دياناتهم. وقد لا يكون مسلما بالضرورة لأن الحديث عن الطلاق ووجود آثار لعلم الكلام ثقافة عامة عند الجميع. والمخطوط نفسه يشمل عديدا من المنتحلات للعهد القديم ولسقراط والإسكندر.
2
وكلها تدخل في نوع أدبي واحد هو الوصايا. وملكيته لأحد النصارى كما هي العادة عند المسلمين في توثيق الملكيات والحجج الشرعية. وتتنوع المنتحلات على لسان الأنبياء والحكماء. وقد تكون البداية تاريخية ولكن النهاية منتحلة. فالانتحال يبدأ من التاريخ ولا ينتهي فيه. يبدأ بجسد الحضارة وينتهي في روحها. ويتداخل التاريخ والحضارة، والصحيح والمنتحل، والفرد والجماعة، والنقل والإبداع.