وغالبا ما تبدأ الحكاية أو النادرة بلفظ «يروى» للمبني للمجهول، وقد لا يكون المقصود رواية تاريخية كما هو الحال في علم الحديث، بل مجرد البداية الخيالية لفن القصص.
20
وأحيانا تتغلب قواعد البلاغة العربية في الانتحال على النواة اليونانية إما لنقص في الأصل اليوناني أو لرداءة الترجمة العربية. وربما يبدأ الانتحال من بلاغة المترجم رغبة في إيصال نص عربي بليغ فيسهل بذر البذور.
ولا فرق من حيث القيمة والأثر بين النص الأصلي والنص المنتحل، فكلاهما يعبر عن روح واحدة، وكلاهما أثر في الفكر وأسس تيارات وكون تلاميذ. فالنصوص لها عالمها المستقل عن واقعها التاريخي، تعمل في الوعي الفردي، وتتراكم في الوعي الجمعي كوحدات مستقلة وكعلل مباشرة. يتعامل البيروني بلا حرج أو تردد مع بليناس المنحول وأرسطو المنحول.
21
| ثانيا: المنتحلات الصغرى
وقد لاحظ المؤرخون الانتحال في النصوص الفلسفية وفي الشك في نسبتها إلى أصحابها. فقد لاحظ القفطي أن وصايا فيثاغورس الذهبية، وكتاب الفوائد لإقليدس وكلام ثامسطيوس على كتاب الشعر؛ أن كل ذلك منحولا.
1
ويلاحظ صاعد أن كتب هرمس في أحكام النجوم: كتاب الطول، كتاب العرض، كتاب قضيب الذهب، منحولة كذلك. وكذلك أيضا بعض الكتب المنسوبة إلى زرادشت.
2
ولاحظ البيروني أن كثيرا مما ينسب إلى الهند منحول، وبعضها عن بعض منقول ومغلوط ومخلوط. ويلاحظ ابن أبي أصيبعة كثيرا من المنحول على سقراط.
3
ويتحدث ابن أبي أصيبعة عن أعمال أبقراط الصحيحة والمنحولة.
4
ولاحظ المترجمون أيضا الانتحال، وهم أقدر الناس على الحكم على مضمون النص وأسلوبه، على روحه وألفاظه. فقد اكتشف يحيى بن عدي أن نصا لا بد وأن يكون منحولا على أمليخس.
5
وقد لاحظ ابن رشد نفسه أن أثولوجيا أرسطاطاليس ليس له وهو في خضم نقده للفلسفة الإشراقية عند الفارابي وابن سينا، خاصة ابن سينا.
والمنتحلات ليست فقط في المترجمات، بل في المؤلفات، مثل الشك في نسبة رسالة الكندي «رسالة في الحيلة لدفع الأحزان» له. فهي رسالة إشراقية غريبة على أرسطي. أرسطو في الظاهر وأفلوطين في الباطن، نوع أدبي مثل وصايا لقمان لابنه وليس بالضرورة وصايا أرسطو إلى الإسكندر، ومثل نداء فيثاغورس إلى الله متحدثا باسم الكندي إلى معاصريه. والسبب في الشك في نسبتها إليه الطابع الاستشراقي لها والأسلوب العربي السلس على غير أسلوب الكندي الذي لم يستقر بعد، وغياب المصطلحات الفلسفية وعدم وجود إحالات للحكماء، بل فقط بعض المنتحلات مثل «سر الأسرار» و«الروابيع» و«معاذلة النفس» و«التفاحة»، واللغة التقويمية التي تدعو إلى تجاوز الأحزان وليست التقريرية المعروفة عند الكندي، وغياب المقدمات والتقسيمات والإحالات إلى باقي الرسائل، والإحالة إلى حكايات الإسكندر وسقراط وسينكا، مثل وصايا أرسطو إلى الإسكندر ووصية الإسكندر، وعدم الإحالة إلى أقواله الطبيعية وهي نقطة البداية عنده، مدح منهج الكندي الذي يبدأ بالمصادرات والمؤلف لا يمدح نفسه.
6 «الرسالة الذهبية» للإسكندر من المنتحلات تحث على طاعة الله عز وجل، وألا يسجد إلا لباري الكل، وتصف قورش وفازن بالإلهي، وتحمد الله الذي جعل أرسطو أهلا لما آتاه الله من العلم، ويسأل الله تعالى النصر والتوفيق.
7
تعبر عن الروح الإسلامية الأخلاقية الإنسانية، والاتجاه الصوفي العام؛ الزهد في الدنيا وهو نفس اتجاه فيثاغورس. قد يكون لها أصل يوناني. وأحيانا تبدو العبارات الإسلامية وكأنها زيادة من النساخ لوجودها في بعض المخطوطات دون الأخرى في إبداع جماعي يشارك فيه المؤلف الأول والمبدع الثاني والقارئ والناسخ. تدفعهم جميعا روح الحضارة وتوجههم نحو مثال واحد مشترك. فأول ما يوحي به فيثاغورس بعد تقوى الله، تبجيل الذين لا يحل بهم الموت من الله تعالى وأوليائه، وإكرامهم بما توجبه الشريعة، ووثوق اليمين، والعمل بما توجبه الشريعة، ومعرفة تدبير الله تعالى وأوليائه من أجل الوصول إلى جوار الله وكرامته.