يعني الانتحال فهم روح النص ثم إبداع نص جديد مشابه في المعنى وإن لم يكن مشابها في اللفظ، أحيانا بنفس ألفاظ النص الأصلي، وأحيانا بألفاظ مختلفة نسبيا أو كليا. وهو أشبه بالقياس الفقهي على مستوى الحضارة وليس على مستوى الفعل الفردي. فالمعنى هو العلة المشتركة بين النص الأصلي والفرع الإبداعي. وبمجرد استنباط العلة من الأصل واقتناصها في الفرع يصدر الحكم وهو النص الإبداعي الجديد كصياغة. ويسهل الإبداع عندما يكون الأصل حكمة أو مثلا مثل وصايا الفرس التي دونها مسكويه في «الحكمة الخالدة»، ومثل «جمهرة أمثال العرب»، والشعر الجاهلي، وأحاديث الرسول. وهي جوامع الكلم التي أوتيها الرسول والتي تم تدوينها في نوع أدبي هو الأقوال والحكم والأمثال والمواعظ. فهي المقياس النموذجي، الأصل المثالي الذي يتم عليه نسج أقوال أخرى مشابهة تضيف إلى مجموع الأمثال الأولى أمثالا جديدة، خاصة وأنها بلا مؤلف. هو عمل جماعي ينتسب إلى الجماعة وليس إلى فرد بعينه. لذلك سهل نسبتها إلى أكثر من شخص.
16
وكلما تجرد القول عن القائل، وانفصل النص عن المؤلف، كان الأصل مؤهلا لأن يكون أساس الإبداع ومقياسه. ولهذا لم يكن مصادفة أن يكون القسم الأخير من الفصل الأول عن الأقوال التي هي البذرة للقراءة ثم الإبداع. لذلك غلب على الانتحال الأقوال أولا سواء في صيغة حكم أو أمثال أو وصايا أو رسائل أو مؤلفات قبل أن يكون نوادر وسيرا شخصية، وقبل أن يكون وقائع وأشخاصا؛ أي إبداع البذرة ذاتها أو الأصل الذي يتم عليه نسج الفرع.
وهناك آليات الانتحال يمكن معرفتها بعد تحليل النصوص المنتحلة منها: (1)
الحاجة العصرية لإبداع نصوص جديدة تنسج على منوال القدماء الذين ما زالوا في الوعي الجمعي موضع احترام وتقدير، مثل المحرمات الثلاثة: الدين والسلطة والجنس. فقد تم انتحال مؤلف لأبقراط بعنوان «أوجاع العذارى».
17 (2)
القدرة على الإبداع المتمثلة في الخيال الشعبي الضروري وملكة اللغة والكتابة والصياغة والتأليف الذي قد يحول القول إلى نادرة، والنادرة إلى قول. (3)
فهم روح النص التاريخي الأول عن طريق تخليصه من الشوائب وتركيزه على قصده الكلي، وتمثله وإكماله بالإضافة في جانب، هو الجانب الإلهي الأخلاقي، وبالنقص في جانب، هو الجانب المجرد المنطقي الطبيعي الذي يصعب نقله من الماضي إلى الحاضر لأنه وسيلة غير جيدة في التوصيل. (4)
الموقف الدرامي في النص الأول، مثل شهادة سقراط، فتوحات الإسكندر، وصايا أرسطو لتلميذه، وصايا أم الإسكندر إلى الإسكندر. وتكون أشكال الانتحال الأدبية أقرب إلى الموروث منها إلى الوافد، مضمون الوافد في قالب الموروث، روح الوافد في بدن الموروث، معاني الوافد في ألفاظ الموروث. فأرطيبوس يتحدث بالشعر العربي، ويتحدث عن حق إله العرش.
18
فتستعمل ألفاظ الوصية والشريعة والفجار والعقيدة والنبوة والمعاد، وفي مقدمتها «الله تعالى»، وكل عبارات المدح والتعظيم مثل سبحانه وتعالى، جل ذكره ... إلخ. وكلها ألفاظ من الموروث.
وكثيرا ما يصاغ الانتحال على لسان الحيوانات وهو نوع أدبي في التأليف معروف في الأدب العربي وفي الآداب المترجمة عن فارس والهند، كليلة ودمنة نموذجا، أو من اليونان والرومان، حكايات إيسوب نموذجا. ألف فيه من قبل إخوان الصفا «رسالة الحيوان»، ووضعوها في الطبيعيات مع أنها في السياسيات، شكوى الحيوان من بني الإنسان. وعرفه الجاحظ في كتاب «الحيوان» في إعطاء مادة علمية تجمع بين الأدب والعلم لمن يشاء الإبداع القصصي على لسان الحيوانات.
19
وتكون المناسبة من الانتقال من عالم الحيوان رمزا إلى عالم الإلهيات حقيقة، ومن الديك والباز والسنور والفأر والثور والحمار والكبش والظبية والثعلب، إلى الله والبسملة والحمدلة وألفاظ الرب والمولى جل جلاله على لسان الحيوانات. وكثيرا أيضا ما يصاغ الانتحال في نوادر على لسان النساك والزهاد والعباد والحكماء مثل سقراط وديوجانس الكلبي. وقد تكون قصص الحيوانات منقولة كعامل درامي لمضمون ديني، وقد تكون مؤلفة.