تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

ولا يوجد رباط ضروري بين أي قول وأي قائل، أي نص أو أي مؤلف، بل توضع أحسن الأقوال على لسان أفضل القائلين، وأبلغ الحكم والمواعظ والأمثال على لسان أفضل الناس وأبقاهم. فقد وضعت كثير من الأقوال الأخلاقية على لسان الأنبياء والحكماء والعظماء حتى يكون للقول أثر أقوى وانتشار أوسع. ولما كانت بدايات الانتحال فك الارتباط بين النص والمؤلف فقد يكون الانتحال على لسان الآلهة، على لسان زيموس، إله الهرب في الحرب أو إله الثبات، والقسم بالله. ولا يهم أن يكون هناك تطابق بين الشخصية التاريخية للنص الأصلي والصورة الفنية المرسومة لها في الإبداع الثاني. الأولى واقع تاريخي والثاني خلق فني. الأولى فردية والثانية عامة. لذلك تتكرر الشخصية الصوفية الأخلاقية، الإلهية الروحية بصرف النظر عن اسمها. كما يتكرر نفس المعنى عند كل الشخصيات بصرف النظر عن الصياغات. هناك مؤلف واحد هو الناسك الصوفي الروحي الإلهي الأخلاقي الديني، الإشراقي الباطني. وهناك نص واحد إبداعي هو الفلسفة الإشراقية. لكن في العادة ترسم الشخصية الإبداعية الجديدة على منوال الفلسفة المنسوبة إليها حتى يحدث تطابق بين صورة الشخصية وفلسفتها وليس بين صورها ونموذجها التاريخي الأول. وعندما يكون النص مجهول المؤلف مثل «فقر الحكماء» يكثر فيه الانتحال لأنه نص مستقل، حر طليق، لا صاحب له، عمل فردي أو جماعي، يعبر عن روح العصر والتاريخ. فهو أرض خصبة يحسن فيها الزرع والحصاد. بعض الأسماء غير معروفة مثل زيمون الشاعر، أرسطوبوس، زيموس. وقد تكون خيالية، مجرد وسيلة للتعبير عن بعض الحكم.

13 (2) منطق الإبداع الحضاري

لا يعني الانتحال أي معنى سلبي كما هو الحال في النزعة التاريخية التي سادت الدراسات الاجتماعية في الغرب في القرن الماضي، بل يدل على أعلى درجة من درجات الإبداع الحضاري من الوعي الجمعي المتراكم في أعماق الوعي الفردي.

14

الانتحال دليل على الخصوبة، والنص الأول ينزل في أرض خصبة، في وعي فردي وجماعي قادر على الإنتاج. النص قادر على الإخصاب، والأنا قابل للعطاء. لا ينزل النص على أرض جدباء أو قاحلة أو على صخر يجرفه الماء أو تذروه الرياح، بل ينزل في ثقافة قادرة على التفاعل وقبول كل شيء واحتوائه وتمثله وإعادة إنتاجه. مثال ذلك كتاب «التفاحة» وصية سقراط الشهيرة، و«سر الأسرار» للمعلم الأول، والرسائل المتبادلة بين أرسطو والإسكندر، الأستاذ والتلميذ؛ والإسكندر وأمه روفيا، الابن والأم؛ ووصايا لقمان لابنه وهو يعظه. ليس الدافع على الإبداع إذن أن العقل الشرقي لم يستطع أن يهضم الفلاسفة اليونانيين إلا بعد أن وضعت لهم، انتحالا في أغلب الأمر، أمثال وجمل وحكم قصيرة مثل الكلم الروحانية لابن هندو؛ لأن فهم الفلسفة اليونانية كان قد تم قبل ذلك بقرنين من الزمان، ترجمة وتعليقا وشرحا وتلخيصا وعرضا وتأليفا. ويختلف الإبداع من مؤلف إلى آخر. وعادة القادر على القراءة قادر على الإبداع مثل الشهرزوري. والمؤرخ الذي يرصد ويصف ويسرد أقل إبداعا مثل ابن أبي أصيبعة. فالخصوبة إما من الموضوع مثل الإسكندر أو من الذات؛ أي المؤرخ. لذلك يحضر الإسكندر عند الشهرزوري أكثر مما يحضر عند ابن أبي أصيبعة.

وقد تساهم أكثر من حضارة في إبداع واحد كما هو الحال في هرمس المصري اليوناني البابلي العبري الفارسي، نموذج الحضارات القديمة كلها لأنه يعبر عنها جميعا كما عبر «ينبوع الحياة» لابن جبرول قبل نسبته الصحيحة إليه عن اليهودية والمسيحية والإسلامية، ونسبتها جميعا النص إليها. وقد يستمد الإبداع جزءا من مادته من مصادر داخلية ثم يبني عليها بالخيال مثل بعض روايات الحسن وإبراهيم بن أدهم وراء وصايا لقمان.

15

فالإبداع لا يكون بالضرورة من مبدع واحد، بل يكون من عدة مبدعين يشاركون في صنعة نموذج واحد أو بناء جديد على نموذج قديم، مجموعة من الفلاحين لإنبات زرع مشترك. قد يكون الإبداع جماعيا وليس فرديا، وقد يكون لا شخصيا مجهول المصدر كما يكون شخصيا معلوم المصدر.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٤٢