| خامسا: حضارات الشرق
ويعيد البيروني قراءة الهند من منظور العقل، وهو منظور إسلامي صرح به القرآن، ووضعه المعتزلة وأسسه الفلاسفة. ويتضح ذلك من مجرد العنوان «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة». لذلك يدافع عن المعتزلة كعلماء ضد مؤرخي السلطة الذين يتهمون المعتزلة بإنكار صفة العلم وبالتالي إثبات الجهل لله.
1
ويستعمل بعض مصطلحات الاعتزال مثل الصلاح والأصلح. وكل أدوات البيروني ومفاهيمه التي يستعملها لفهم الهند إسلامية، مثل التفرقة بين الخاصة والعامة. وكل خطأ يبرئ منه الخاصة ينسبه إلى العامة.
2
وراء الموروث والوافد هناك الطبيعة البشرية، المبادئ العامة، البداهة العقلية؛ أي الفطرة في وحدة الوحي والعقل والطبيعة. وهي الرؤية الإسلامية للعالم، أساس حوار الحضارات.
3
لذلك يبدأ البيروني أولا بوضع قانون عام مثل النكاح في الأمم، وبيان أن الفطرة هي الزوجة الواحدة قبل الدخول في التشريعات المقارنة لقوانين الزواج.
4
ويعرض البيروني كل موضوع على العقل والبداهة فيكتشف الخرافة التي يقع فيها الهنود والمسلمون على حد سواء مثل خرافة الأفلاك التي يسقط عليها البشر حاجاتهم من أجل تلبيتها إحساسا بالعجز، والالتفاف عليه من أعلى. وبدلا من تجاوز الكواكب إلى الله فإنهم يجسمونه في الكواكب. والقادر على فعل شيء لا يسأل عنه ولا يستجدي طلبه. يسقط الإنسان آماله وإحباطاته على الأفلاك. وكل ما يحدث للإنسان من حروب وسلام فهي أسبابها. ينقد خرافات الهنود، والتشبه والتجسيم التي تجعل العلم العين كالحشوية، ويدافع عن التنزيه. ويذكر انتقاداتهم في الموجودات الحسية والعقلية.
5
يدرس البيروني الهند ليس كتاريخ أو عادات أو تقاليد أو ديانات أو فلسفات أو علوم، بل لتقييم ثقافة الهند وإعادة بنائها من منظور الثقافة الإسلامية، قراءة للآخر من منظور الأنا. وهو يجمع في ذلك بين الوصف والتقييم، بين العرض والنقد، مثل نقد السحر الهندي وارتباطه بالسيمياء.
6
ويستعمل القرآن في حالة الإدانة. ويقرأ ثقافة الهند بمصطلحات إسلامية وبمفاهيمها مثل النسخ والتناسخ والشهادة والإخلاص والجزاء والجنة والنار والرسل والملة.
7
كما تأتي المفاهيم من علم أصول الفقه مثل الجمهور والإجماع وبعض القواعد الفقهية مثل البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. ويقرأ من موضوعات الهند ما يقابل الموضوعات الإسلامية مثل اللغة والنحو والأدب والشعر.
8
ويلاحظ معاناة الهند من ازدواجية الفصحى والعامية.
وتدرس موضوعات مقارنة على أساس إسلامي مثل علاقة النفس بالبدن،
9
وكيفية الخلاص مع مقارنة إشارات الصوفية مع التناسخ الهندي، والوصول إلى مقام المعرفة والعشق وأقوال أبي بكر الشبلي وأبي يزيد البسطامي، والمعنى الاشتقاقي للفظ التصوف. ويؤخذ من «كشف المحجوب» أربع مراتب للتناسخ: الفسخ والرسخ والمسخ والنسخ (التوالد بين الناس).
وقد تبنى المسلمون مذاهب الهند في النجوم، السندهند، ولم يصل إليهم الأزجير ولا الأركند.
10
ومن علمائهم كنكه، ذكره أبو معشر البلخي في كتاب الألوف وأنه مقدم في علم النجوم.
ومع ذلك ينتقد البيروني الحسابات الفلكية للهنود، ويبين اختلاف الفلك الهندي مع الفلك الإسلامي.
11
أما الموسيقى فكتاب نافر. والأخلاق وتهذيب النفس من كليلة ودمنة نقله برزويه الحكيم الفارسي من الهندية إلى الفارسية، من الهند إلى كسرى أنوشروان، ونقله عبد الله بن المقفع إلى العربية. ودخلت العلوم الهندية داخل العلوم الإسلامية قبولا ونقدا. ووضع الآخر في إطار الأنا يكون إيجابا أو سلبا إذ لم يدون الهنود علومهم على عكس تدوين العرب والعربيين.
واعتقد فريق منهم، الثنوية، ببني إبراهيم.
12
ومنهم من أثبت متوسطات روحانية تنقل الرسالة من الله في صورة بشر.