تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما قرأ صاعد الهند، ورأى إجماعهم على التوحيد والتنزيه، قراءة للآخر من منظور الأنا، بالرغم مما يوحي به ذلك أحيانا من تناقض؛ أزلية وحلول في آن واحد. وتتناقض الهندوكية بالحديث عن الواحد المنزه والأسماء المجسمة في آن واحد. والعلم الإلهي في الهند يحمله إما البراهمة وإما الصابئة. والبراهمة وهم قلة، يخضعون لشريعة النسب.

13

البعض يقول بحدوث العالم والبعض يقول بقدمه. يبطلون النبوات ويحرمون ذبح الحيوان ويمنعون إيلامه. والصابئة ظهروا في عهد طورس. وبوذا نبي. أتى بدين الحنفاء وهو بوذاسف. لذلك اعتبرهم الفقهاء مثل أهل الكتاب لأنهم مقرون بالتوحيد.

14

وما المانع أن يكون بوذا نبيا إذ لم يقص القرآن إلا أنبياء بني إسرائيل المعروفين في الثقافة العربية؟ وفرض عليهم دين زرادشت بالقوة. والخلاف بين الإسلام والهندوكية لا ينفي المساواة بين الناس على أساس التقوى والعمل الصالح. بل إن عبادة الأصنام تركها المسلمون استخفافا بها.

15

كانت الأصنام تجارة رابحة وتسلية أكثر منها دينا، تجارة الذهب الذي كانت تصنع منه التماثيل.

وتختلف العقائد في كل أمة طبقا لنزوعها نحو العقول، والأصول عند الخاصة، أو المحسوس والفروع عند العامة. ويبدأ البيروني بالعقائد؛ عقيدة التوحيد. ويستعمل التعبيرات الإسلامية مثل «الله سبحانه»، ومقارنتها بأسماء الهند؛ بوذا وإبراهيم. ويفتتحون الكتاب بآدم الذي هو كلمة التكوين كما يفتتح الكتاب باسم الله. وربما عرف الهنود حروفهم بإلهام من الله كما عرف آدم الأسماء بتعليم منه. ويعنون بالخلق المعنى العامي. فالخلق ليس إبداعا من لا شيء بل هو الصنعة في الطينة. ويذكر ابن النديم مذاهب الهند، المهاكانية، والدينكيثية، والإنشنية.

16

وفي مقابل التفسير الخرافي الهندي يعطي البيروني التفسير العلمي. ويؤول الخرافة على أنها تصوير فني. فينقد التفسير الفلكي للظواهر الإنسانية.

17

ويغلب على الفكر الهندي الحكايات والأساطير والروايات وليست الأحكام العلمية الدقيقة.

18

وتختلف هذه الحكايات من راو إلى آخر كما هو الحال في الآداب الشعبية. وينقد البيروني أخطاء العلماء العرب في وصف جغرافية الهند، مثل الجاحظ في تفسير الآيات القرآنية الكونية ومقارنتها بالأساطير الهندية، العالم كبيضة مؤولا:

وكان عرشه على الماء . كما ينقد خطأ الخوارزمي وصواب الهند.

19

ويقارن البيروني بين الشريعة الإسلامية والشرائع الهندية، ما يتفق منها مع العقل والطبيعة والفطرة وما يرجع فيها إلى العادات والتقاليد. الحج الهندي ليس فرضا بل هو تطوع وفضيلة. والصيام في أيام معلومة، والصدقة تطهير للغني. وفي الطعام والشراب مباح ومحظور. ولا يوجد في الهند طلاق. والزواج مبكر، وأربعة بحد أقصى. ولهم دعاوى وعقوبات وملكية أجساد الموتى. ولهم أعياد وأفراح، وأيام معظمة وأوقات مسعودة ومنحوسة لاكتساب الثواب وتجنب العقاب. فهناك شرائع مشتركة بين الإسلام والهندوكية تقوم على الطبيعة والفطرة. شهود الزنا أربعة في الشريعتين، وإتيان المرأة وقت الحيض محظور ستة عشر يوما في الهند وأربعة أيام في الإسلام. ولا طلاق في الهند والطلاق مباح في الإسلام وهو أبغض الحلال. وتسقط النساء من المواريث في الهند خلا الابنة فإن لها ربع ما للابن.

20

وينقد البيروني التشديد والتضييق في الشريعة الهندية بناء على ما في وعيه من تمييز بين العزيمة والرخصة. وقد توضع مؤلفات الهند في مقارنة مع مؤلفات الفرس والروم والعرب. فحضارة الهند ليست جزيرة منعزلة في الشرق من باقي الحضارات في الشرق والغرب. ولها كتب في الخرافات والأسماء والأحاديث، والعرب ولوعون بالأدب. ولهم كتب في المياه، والعرب أهل صحراء. ولهم كتب في الفأل والزجر، والعرب أهل فأل وطيرة. ولهم كتب في الجوارح، والعرب أهل صقور. ولهم كتب في المواعظ والأدب والحكم، والعرب أهل أمثال.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٣٣