39
وقد تكون علاقة القدماء بالآخر وأولوية الغرب: اليونان والرومان، على الشرق: فارس والهند، مثل علاقتنا الآن بالغرب الحديث: أوروبا المعاصرة، وأوليتها على الشرق: الصين والهند، نظرا لارتباط تاريخنا الحديث، حقبة الاستعمار، بالغرب، بالرغم من تأييد الشرق لنا أثناء حركة التحرر الوطني، ونظرا لأن الغرب ما زال يمثل بالنسبة لنا مصدر التحدي الأول، مصدرا للعلم بدلا أن يكون موضوعا للعلم. وقد يكون ما رآه القدماء من خصائص مثالية عند اليونان، مثل العقل والطبيعة والإنسان، ما نراه حاليا منذ رواد النهضة العربية الحديثة في الغرب من مثل التنوير وهي نفسها المثل القديمة، العقل والطبيعة والإنسان والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتقدم. لقد تحدث القدماء عن فارس والهند والصين أكثر مما نتحدث عنهم الآن. لم يعرف القدماء اليابان، ويكاد يعرفها المحدثون بالرغم من أن نهضة الشرق الحديث أكثر جذبا لنا من نهضة الشرق القديم وجذبها للقدماء.
40
لقد حدث حوار بين القدماء، بين أنصار فارس، زهرة الشرق، وأنصار اليونان درة الغرب، بين الحكمة الفارسية والحكمة اليونانية دون خصومة أو شقاق.
41
تعادل جناحا العالم الإسلامي، الشرقي والغربي، فطار العالم الإسلامي دون أن ينحرف غربا أو ينحرف شرقا:
لا شرقية ولا غربية . في حين طرنا نحن بجناح غربي قوي وجناح شرقي ضعيف، فاغتربنا، وانحزنا للغرب، ونشأت بيننا ظاهرة التغريب، وعمت وانتشرت حتى أصبح وعينا القومي مغتربا عن مسار الأنا في مسار الآخر.
42
وإذا وعينا الشرق فإننا نعي الهند أكثر مما نعي الصين أو اليابان، بل إن فارس التي شاركتنا الدين والحضارة والتاريخ حصرناها في أقسام اللغات الشرقية، وعاديناها في الجوار.
وإذا كان «من العقيدة إلى الثورة» قد أصبح هو العنوان المفضل للجزء الأول من الجبهة الأولى لإعادة بناء علم أصول الدين بعد أن كان العنوان في وصف المشروع الأول منذ عقدين من الزمان «علم الإنسان»
Anthropology
في مقابل «علم الله»
Theology ، فكذلك كان عنوان «من النقل إلى الإبداع» هو «فلسفة الحضارة» لأنه يتعلق بصلة حضارة الأنا بالحضارات الأخرى، اليونانية والرومانية والفارسية والهندية.
43
ويدل تركيب «من ... إلى» على هذا التمايز بين القدماء والمحدثين، والانتقال من القديم إلى الجديد، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى. كان من ضمن العناوين المقترحة، ولو في الخاتمة «من تمثل اليونان إلى رفض الغرب» إبرازا للتقابل بين إبداع القدماء في تمثل اليونان، واحتواء ثقافتهم، والتعبير عن الأنا من خلال الآخر، ونقل المعاصرين وتغريبهم واحتوائهم في ثقافة الغير وتبعيتهم لها. ولا ضير في نمطية التركيب «من ... إلى»، فما زال مؤثرا في النفس، «من العقيدة إلى الثورة» انتقالا من عقائد القدماء إلى ثورة المعاصرين، «من النقل إلى الإبداع» انتقالا من نقل المعاصرين إلى إبداع القدماء؛ فالمعاصرة لا تعني الزمان التاريخي بالضرورة بل الموقف الحضاري. وبهذا المعنى قد يكون القديم أكثر معاصرة من الحديث، وقد يكون الحديث أكثر قدما من القدماء. وتستمر هذه النمطية في التركيب في باقي أجزاء الجبهة الأولى «من الفناء إلى البقاء» لإعادة بناء علوم التصوف، «من النص إلى الواقع» لإعادة بناء علم أصول الفقه، «من النقل إلى العقل» لإعادة بناء العلوم النقلية.
44
ولفظ «النقل» هو اللفظ القديم لما نعنيه حاليا بلفظ الترجمة وما يعنيه الشوام بلفظ «التعريب»؛ أي نقل نص من لغة إلى لغة أخرى. وأحيانا يفيد النقل النقل الحرفي للمعني من لغة إلى لغة. في حين أن لفظ الترجمة قد يفيد الذهاب إلى ما هو أبعد من النقل إلى تأويل المعنى؛ أي إلى النقل المعنوي. النقل يتم على مستوى الألفاظ، والترجمة تتم على مستوى المعاني.