45
النقل مجرد تحريك اللفظ من لغة إلى لغة في حين أن الترجمة تعبير عن معنى اللفظ في لفظ بلفظ مرادف في لغة أخرى، وقد فضلنا اللفظ القديم «النقل» على الحديث «الترجمة» حرصا على التواصل مع القدماء. أما لفظ «الإبداع»، فإنه لفظ قديم، أحد أسماء الله الحسنى :
بديع السموات والأرض ، وهو لفظ حديث كثر استعماله من أجل الدلالة على أزمة الإبداع في عصرنا، الإبداع الشامل في الفكر والأدب والفن والعلم والسياسة، إحساسا بأن فترة النقل قد طالت، إما النقل عن القدماء أو النقل عن المحدثين.
46
وكثرت الندوات، وأنشئت المجلات، وقامت مراكز الأبحاث لتناول مشكلة الإبداع. وبالتالي يحتوي العنوان: «من النقل إلى الإبداع» على لفظ قديم ولفظ جديد، ويدل على الانتقال من القدماء إلى المحدثين، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن التراث إلى التجديد، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، وعلى نفس إيقاع «من العقيدة إلى الثورة».
أما العنوان الفرعي «محاولة لإعادة بناء علوم الحكمة» فهو أيضا العنوان النمطي الفرعي لكل أجزاء الجبهة الأولى لإعادة بناء العلوم القديمة: علم أصول الدين، علوم الحكمة، علوم التصوف، علم أصول الفقه، العلوم النقلية بعد أن دخلت العلوم العقلية والطبيعية في علوم الحكمة النظرية، والعلوم الإنسانية، اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ في الحكمة العملية، وهو التعبير الوحيد المضاف إلى تعبيرات القدماء في تسمية علومهم لما كان عصرهم هو عصر العلوم الدينية والشرعية، في حين أن عصرنا هو عصر العلوم الإنسانية. وعلوم الحكمة هو التعبير المختار عند القدماء ابن سينا خاصة كعنوان فرعي في موسوعاته الكبرى «الشفاء»، وملخصها «النجاة»، وشرحهما، والإضافة عليهما وقراءتهما في «الإشارات والتنبيهات»، وليس الفلسفة والذي استعمله القدماء في وصف الفلسفة اليونانية وليس في تحديد معنى العلم.
47
فالتمايز بين الأنا والآخر واضح في العنوان الفرعي «علوم الحكمة» عند الأنا في مقابل «الفلسفة» عند الآخر. التعبير الأول عربي أصيل مستمد من الأصل الأول، القرآن الكريم:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ،
يؤتي الحكمة من يشاء ، في حين أن اللفظ الثاني معرب من اللفظين اليونانيين: فيلا سوفيا. وقد نقلا معربين: «الفلسفة»، ومترجمين: محبة الحكمة.
48
ثالثا: ظاهرة «التشكل الكاذب» (1) خطأ الحكم بالنقل والتأثر والخلط والتوفيق
ذاعت عدة أحكام خاطئة على علوم الحكمة منذ تسميتها الفلسفة الإسلامية بأنها امتداد لعلوم اليونان، وأن الحكماء؛ أي الفلاسفة، ما هم إلا أتباع المعلم الأول، وأن أقصى ما أبدعوه هو المعلم الثاني أو الشارح الأعظم. علوم الحكمة ما هي إلا شروح على متون الشرح لفظا بلفظ، وعبارة بعبارة، وفقرة بفقرة، وفصلا بفصل، وبابا بباب، وكأن المسلمين قد استبدلوا بنص الوحي نص أرسطو؛ فالأنا يدور في فلك الآخر. الآخر هو الأصل، والأنا الفرع. كان أقصى إبداع للحضارة الإسلامية هو شروحها على أرسطو ونقل ذلك إلى الغرب، استفاد منه أولا لتأييد الدين ثم لفظه ثانيا عندما اكتشف عورته وهو بصدد نشأة العلم الحديث إبان الفصل بين الفلسفة والدين، والعلم والإيمان. وقد أصدر هذا الحكم بعض المستشرقين. وتابعهم فيه بعض العرب المقلدين من محرري الكتب المقررة ومدعي التجديد إيحاء برفض المحلية وتبنيا لمحلية الثقافة وهي اليونانية، مستنكفا من حضارة الأنا ومدعيا ثقافة الآخر، إحساسا بالدونية. وبالإضافة إلى عيوب الاستشراق العامة المنهجية والموضوعية التي وراء كثير من أحكامه يخطئ هذا الحكم ليس فقط بالنسبة للحضارة الإسلامية في التقائها مع الحضارات المجاورة، بل بالنسبة لالتقاء الحضارات بعضها بالبعض الآخر. فلا توجد حضارة ناقلة لأخرى.