تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

كما استمر الشرح والتلخيص والتعليق في القرنين الخامس والسادس في خط مواز مع التأليف المستقل.

37

تمثل الحكماء حضارة الآخر بعد ترجمتها ونقلها ثم احتوائها بالشرح والتلخيص ثم نقدها وقبول ما يتفق منها مع العقل والطبيعة والتجربة الإنسانية وعذر الأخطاء فيها، وردها إلى طبيعية البيئة الثقافية الخارجية كاللغة والعادات والتقاليد وطبائع الشعوب الأجنبية.

وفي الوقت الذي كان يتناهى فيه الإبداع عندنا كان النقل يتم في الغرب منا إليه؛ فقد كان ابن رشد آخر الفلاسفة المسلمين في المغرب (595ه) معاصرا لأكبر المترجمين اللاتين فيه، جيرار الكريموني (583ه/1187م). وفي الوقت الذي سقطت فيه طليطلة (478ه) وقت إمام الحرمين في المشرق أستاذ الغزالي واللذين لم يؤثر فيهما هذا السقوط في بناء العقائد ولا في اختيار الأشعرية والتصوف، انتهى دورها كمركز للإبداع عند المسلمين، وبدأ دورها كمركز للنقل والترجمة عند النصارى. وكان اليهود حلقة الاتصال بين الاثنين، إبداع المسلمين ونقل النصارى. وإن من مهام «من النقل إلى الإبداع» أيضا هو إعادة كتابة تاريخ الوعي الأوروبي بالتاريخ الهجري ردا على تاريخ الحضارة الإسلامية بالتاريخ الميلادي ووضعها في مراحل تاريخ الوعي الأوروبي، مرحلة العصر الوسيط. «من النقل إلى الإبداع» دراسة لنشأة الحضارة الإسلامية وتطورها في علاقتها مع الآخر في مرحلة الازدهار والاكتمال وفي الوقت الذي كانت فيه الحضارة الغربية في العصر الوسيط في مرحلة التعلم والتتلمذ علينا حتى يتم الوعي بالمسار المتبادل بين الأنا والآخر من أجل القضاء على ظاهرة التغريب في عصرنا، والوعي بنهاية عصر ريادة الغرب وتبعية سواه.

38

وإن تذبذب وعينا التاريخي المعاصر بين التاريخين الهجري والميلادي، وميلنا إلى التاريخ الميلادي منذ عصر النهضة ليدل على تداخل المسارين، مساري الأنا والآخر، واغتراب المسار التاريخي للأنا في المسار التاريخي للآخر باستثناء إيران بعد الثورة الإسلامية، واليمن بعد الثورة الوطنية، ودول شبه الجزيرة العربية تأكيدا على المحافظة الدينية كدعامة أولى للنظم السياسية، ودرءا للثورة التي ارتبطت بالمذاهب السياسية الغربية، القومية والليبرالية والماركسية. وقد أكدت كل الشعوب الناهضة على التاريخ الوطني للأنا استقلالا عن الغرب وتأكيدا للهوية مثل اليابان. وإن الصهيونية تؤرخ لليهودية منذ خلق العالم وإلا أرخوا مرة مع اليونان، ومرة ثانية مع المسلمين، ومرة ثالثة مع الغرب الحديث. وما ينطبق على التاريخ ينطبق على الجغرافيا؛ فنحن الشرق الأوسط والصيني الشرق الأقصى بالنسبة إلى الغرب، مع أننا العالم العربي الإسلامي بالنسبة إلى أنفسنا، أوروبا غربنا وآسيا شرقنا. الغرب بالنسبة لنا هو الغرب الأدنى، وأمريكا بالنسبة لنا هو الغرب الأقصى. والحرب العالمية الأولى بالنسبة للغرب هي نهاية عصر الخلافة وبداية الحروب الصليبية الثانية بالنسبة لنا. والعصر الوسيط بالنسبة للغرب هو عصرنا الذهبي قبل ابن خلدون، والعصور الحديثة بالنسبة للغرب هي عصر الشروح والملخصات بالنسبة لنا قبل نهضتنا الحديثة منذ القرن الماضي وبالرغم من كبوتها هذا القرن.

وكان انفتاح القدماء على الآخر متعددا متنوعا دون أن تستأثر بهم حضارة على حساب أخرى. نقلوا حضارات الأمم السابقة بلا تحيز لإحداها أو سيطرة لها على ذهن الأمة. نقلوا ثقافات اليونان والروم من الغرب؛ وفارس والهند من شرق. فقد انتشر الإسلام شرقا قدر انتشاره غربا، بل كان انتشاره شرقا أسرع وأكثر امتدادا في البر نظرا لسهول آسيا الوسطى الممتدة حتى بحر الصين. كان النقل عن اليونان أكثر وأوسع انتشارا وأكثر حضورا وإثارة نظرا لانتشار الثقافة اليونانية على رقعة البلاد المفتوحة أكثر من أية ثقافة أخرى. وكانت قد انتشرت من قبل في الديانات السابقة مثل النصرانية واليهودية والديانات الشرقية كالمانونية وغيرها، هذا بالإضافة إلى ما تتميز به الثقافة اليونانية من خصائص تجعلها قريبة من الحضارة الناشئة الجديدة مثل العقلانية والقدرة على التأمل والاستدلال، والاتجاه نحو الطبيعة والفطرة، والنظرة الإنسانية للعالم. ولقد حاول القدماء ذلك صراحة كما فعل صاعد الأندلسي في «طبقات الأمم» حرصا على التعددية، وإعطاء كل شعب حقه والاعتراف بدوره في الحضارة البشرية العامة دون ما استثناء أو أثرة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٢