1
ثم يتحول الشخص إلى مجموعة من الأقوال والحكم المأثورة مثل: الشرف في الدنيا والنجاة في الآخرة. فما يهم هو أبقراط الأخلاقي أكثر من أبقراط الطبيب، وتحويله إلى مثال في أبقراط الطبيب الفاضل الكامل. بل تنسج له سيرة العظماء. فقد كان قبل الطب ملكا. ثم زهد في الملك مثل بوذا في الشرق. وتروى عنه الحكايات النمطية التي تروى عن ابن سينا أيضا من أنه عرف أن ابن الملك أحب من رؤيته لفتاة وجس نبضه.
2
ولما توفي أبقراط خلف من ورائه ذرية ضعافا من آل أسقليبوس مثل روفس، دسوقريدس، ولم يستطع خيال المؤرخ في كل حالة أن ينسج حولها الروايات أو أن يؤسسها، بل اكتفى بمجرد إعطاء ثبت بأسماء مؤلفات روفس أو وصف تفصيلي لأعمال دسقوريدس. وتشير الأقوال المتأخرة إلى الطب الروحاني أكثر مما تشير إلى الطب البدني. ويصبح أبقراط حكيما متكلما صوفيا يتحدث عن صفات الرب تعالى، وكثرة نعمه، ويكشف عن تجليات ذلك في الطب. فقد خلق الله تعالى في الآدمي ستة عروق. وإذا عرض للإنسان الجنون ابتلاه الله بالزكام. وإذا عرض للإنسان الطاعون ابتلاه الله بزلاجة المعدة. وإذا قضى الله تعالى بالعمى ابتلاه الله بشدة الرمد. وإذا عرض للإنسان البواسير ابتلاه الله تعالى بتشقيق الشفتين. وإذا عرض للإنسان الجزام ابتلاه الله تعالى بكثرة العطاس. فما اعتبره أبقراط علامة على المرض اعتبرته الأقوال المتأخرة ابتلاء من الله. وأقواله في المرأة تجعلها مجرد موضوع للإشباع الجنسي. فالذين يستميلون قلوب نسائهم بالحلي والمال والكسوة إنما يعلمونهم محبة الأغنياء لا محبة الأزواج، بل تكون الاستمالة بكثرة الجماع. أما إذا أحب الرجال التزين فإن ذلك يكون بالأفعال الجميلة.
3
وقد يصبح الحكيم اليوناني مؤسس مدرسة بأكملها ينتسب المسلمون إليها. فأنبادقليس الذي كان في زمن داود وسليمان عليهما السلام أخذ الحكمة من لقمان بالشام، ثم ذهب إلى بلاد اليونان، وتكلم في المعاني والصفات والوحدانية وخلق العالم، ولكنه قدح في ظاهر المعاد، وهو من السمعيات طبقا لنسق العقائد التي لا تعتمد إلا على الدليل النقلي. وهو دليل ظني في حين أن وجود الله وخلق العالم من العقليات التي تعتمد على الدليل العقلي وهو دليل قطعي. هجره البعض وانتسب إليه البعض الآخر. وكان من شيعته أبو الهذيل من المتكلمين وطائفة من الباطنية تنتمي إلى حكمة محمد بن عبد الله بن مسرة الجبلي القرطبي.
4
فاليونان تلاميذ الأنبياء. والإسلام يشمل اليهودية في قراءته للتاريخ. وهو أول من جمع معاني صفات الله، وأنها تؤدي إلى شيء واحد، الوحدة والكثرة في الله مثل أبي الهذيل العلاف. بل تخضع تسمية أنبادقليس للطريقة العربية، فهو أنبادقليس بن هادين.
5
وهو أيضا بن باور؛ أي إنه يشمل الفرس أيضا. فأنبادقليس من الباطنية مثل الشهرزوري، إسقاطا من الحاضر على الماضي، لا فرق بين علي بن أبي طالب والحسن البصري وجماعة من المعتزلة وجمهور الحكماء بالرؤية الباطنة.
6
والأخلاق إشراقية عند الكل، يونان ومسلمين. هنا يقوم الموروث بتأويل الوافد حتى يصب الوافد فيه، ويتم التنسيق بين الاثنين. لقد كان الإشراق عند اليهود في البداية كما بدأ في تأويل المسيحية لها، ولكن في النهاية حول الإسلام الإشراق إلى واقع عقلي طبيعي، حوله الصوفية إلى إشراق من جديد. وهو الحكيم العظيم الرباني، وكلها ألقاب إسلامية. تفوق في العلم الإلهي. الباري تعالى هو هويته، ينير العقل بالنور الإلهي ويفيض عليه، ويثبت المعاد، وخلق الله أسطقسات أربعة.
7
والشعراء اليونان أيضا بداية الحكمة المحملة بالمعاني والقيم الإسلامية مثل قول هوميروس: إني لأعجب من الناس إذا كان يمكنهم الاقتداء بالله عز وجل فيدعون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم، إن الله عز وجل منتقم من الأشرار، إن الشكر موهبة من الله للعبد، الشعر مصدر الفلسفة، الأسطورة تسبق الحكمة. وهو يعادل امرئ القيس عند العرب. وهو من الشعراء الذين استثناهم القرآن من الشعراء الغاوين الهائمين. ولا ضرر من ذكر بعض الأساطير مثل مواقعة بهرام الزهرة فتولد العالم ما دامت مواعظه متفقة مع الشرع. فجميع الناس تدينهم معرفتهم بأنفسهم كما يدينهم الله. ومساعدة الأشرار على فعلهم كفر بالله عز وجل. فالدين أخلاق، والأخلاق دين. الشعر حكمة، والشاعر حكيم. وفي الأقوال المتأخرة، يتحول الشاعر إلى صوفي يدعو إلى خوف الله تعالى وتقواه، ويدعو للناس بالخير دون إلغاء الأسباب. فإذا أراد الله تعالى أمرا هيأ أسبابه. ويظل الله هو العلة الأولى. أما يسخيلوس فله كلام ملغوز مثل الصوفية ولكنه كان يعرف الله ويدعو له ويبتهل إليه «اجلس لأخلصك الله.» وعند سوفكليس الفلاسفة عند العقلاء كالآلهة وعند الجهلاء كالناس.