39
| ثالثا: بداية التاريخ
وهناك صعوبات في البحث عن البداية الأولى للطب. ومع ذلك هناك ثلاثة احتمالات: الأول: بعد العهد القديم وصعوبة معرفة ماذا حدث في أول الزمان. الثاني: تعدد الآراء في البداية. والثالث: صعوبة الحكم فيها والتحقق أيهما أصدق. وهنا تتداخل الإلهيات مع مناهج البحث، التاريخ والقراءة، العلم والدين. وتظل هذه الاحتمالات قائمة دون محاولة للتوفيق بينها. وهذا أقرب إلى فلسفة التاريخ منه إلى التاريخ. هي آراء ومذاهب فلسفية وليست تاريخا مدعما بالوثائق والبراهين. تتدخل الأسطورة مع الواقع، ويتم التركيز على دور النساء التي تبرأ بالأدوية، فالبراءة للضعيف.
وتبدو القراءة في الموضوع النموذجي وهو كيفية بداية الطب. ويدخل البعد الديني الجديد في التصنيف. فإذا كان الطب حادثا وليس قديما نشأ بعد الإنسان وليس قبله، إلهاما وليس كسبا، فإن الإلهام من الله «جل وعلا». فقال البعض إن الله «جل وعز» ألهم الناس الطب بالرؤيا. وقال آخرون إن الله «عز اسمه» ألهم الناس الطب بالتجربة. والترجيح للموروث لأن البدن محدث. وهي نفس القضية التي عرضها الأصوليون في نشأة اللغة: توقيف أم اصطلاح. وخلق الله «تبارك» صناعة الطب لأن عقل الإنسان قاصر عن ذلك. فالله وحده خالق الأشياء (صاعد). وقد يكون تضعيف العقل دفاعا عنه.
1
وتتضح القراءة في أسماء الله وصفاته وطرق مدحه وتعظيمه «جل وعلا»، «جل وعز»، «عز اسمه»، «تبارك اسمه»، «عز وجل »، «الله تعالى». قال طاليس وأنكسماندوس وأنقسمانس هو «الله تعالى»، «الله سبحانه وتعالى»، «البارئ جل جلاله».
2
وتتدخل الجغرافيا مع التاريخ لتفسير نشأة الطب في جزيرة فو؛ فهناك ثلاث جزر في الإقليم الرابع: رودس، قيندس، فو التي نشأ فيها آل أسقليبوس دون تحديد لسبب نشأته في هذه الجزيرة الثالثة دون الجزيرتين الأوليين. وهناك قسمة ثالثة للشعوب تتداخل مع قسمة الأقاليم الجغرافية لتفسير نشأة الطب وهي سبعة: الكلدانيون، اليمن، بابل، فارس، الهند، أقريطش، سينا. والخلاف بين الدين والعلم في تصور نشأة العلم مشكلة محلية، وضم الوافد إلى حضن الموروث.
وهناك عدة روايات متجاورة يذكرها الشهرزوري لتفسير نشأة التاريخ الحضاري للعالم كلها محتملة. منها تاريخ ومنها قراءة. هناك مدخل يجمع بين الوافد والموروث لنشأة الطب وأقسامه يعتمد على الموروث وحده. ويضع خمسة احتمالات: الأول التأييد الإلهي اعتمادا على حديث الرسول، يرجعه إلى سليمان بن داود. وكثير يرون هذا الرأي مثل الصابئة والمجوس ونبط العراق والسودانيون والكلدانيون والكسدانيون. ويعتبره المصريون واليونان هرمس، ويعتبره اليهود يوفال بن لاقح بن متوشالح. ويعتبره أبو سليمان المنطقي من فارس والهند. والثاني الرؤية الصادقة اعتمادا أيضا على حديث الرسول.
3
فقد قاله الرسول لأحدهم في المنام، وذلك تفسير آية الشجرة المباركة في القرآن. والثالث الاتفاق والمصادفة مثل ما حدث لأندروماخوس الثاني من إلقاء لحوم الأفاعي في الترياق، وجرب ذلك مرة ثانية وثالثة حتى ثبت كدواء. والرابع المشاهدة على الحيوانات والاقتداء بأفعالها كما ذكر الرازي، فالطبيعة خير طبيب. والخامس الإلهام كما يحدث للحيوان، فكل جسم له مقومات بقائه. فالطب النبوي جزء من تاريخ الطب بالإضافة إلى الطب الوافد مع طب إبداعي ثالث يعتمد على القياس والتجربة والحيل. والسؤال الآن عن مدى صحة هذه الأحاديث عن الطب النبوي وإلى أي حد يعتبر القرآن والحديث موجهين للتاريخ لتفسير نشأة الطب.
4
ويبدأ الشهرزوري الفلسفة بقسمتها إلى نظرية وعملية ويبين الوصول إلى هذه القسمة بالعقل الخالص.
5
وفي هذه الوحدة الأولى للحضارات يظهر هرمس في عصر سقراط، وأخنوخ وهرمس في عصر إدريس، وحكيم بابلي تلميذ فيثاغورس، وفيثاغورس من سكان مصر، وأصطفن البابلي أيام شعيب، وبطليموس نقل الفلك البابلي. وبين البابليين واليونان كانت هناك صلات متبادلة مثل اليونان وكنعان، اليونان ومصر، ضد ما روجه الغرب الحديث حول المعجزة اليونانية، وأساتذة العالم ورواده الأوائل، وكأنه لم تكن هناك حضارات أخرى أقدم من اليونان في جنوبها مصر، وشرقها كنعان وبابل وفارس والهند. ويظهر النموذج الإسلامي، تعدد البشر للتعارف، واختلاف الحضارات للإثراء المتبادل، والجوار للتفاعل. أقواله كأنها وحي من عند الله مثل: «فإنه حق على الله أن يعطي المظلومين روحا وأن يجعل الظالمين بلا روح.» هرمس فيلسوف مصر وباني أهرامها وآثارها. عاش هرمس الأول في الصعيد المتصل بالسودان والإسكندرية، كي يكون بين اليونان ومصر. فالفكر هو الذي يتحكم في التاريخ والجغرافيا. وهو أخنوخ عند اليهود وإدريس عند المسلمين. أول من تكلم في الجواهر العلوية وحركات النجوم، فأنذر بالطوفان. وجد يوحنا البطريق كتاب أرسطو إلى الإسكندر «سر الأسرار»، وهو منحول، في هيكل عين الشمس الذي بناه هرمس الأكبر بنفسه ليمجد الله «تعالى» فيه بعد أن دله عليه راهب متنسك عالم فاهم في مصاحف الهيكل بعد أن دخلت الحيلة عليه. وهو الذي أشار إلى القرآن في وصف إدريس،