تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

فالحكماء ثلاثة: دهريون مجدوا الخالق مثل طاليس، وطبيعيون انتقلوا من الخالق إلى المخلوق، وإلهيون وهم الحكماء المتأخرون سقراط وأفلاطون وأرسطو.

وقد استمد اليونان علومهم من الشرق القريب لهم من الكلدانيين والبابليين أو من الشرق الأبعد عنهم، فارس والهند. فالشرق أصل الحضارة والغرب تابعه. «ريح الشرق» بدأت أولا قبل «ريح الغرب»، وربما إليه يعود. لا تاريخ بلا جغرافيا، ولا زمان بلا مكان.

33

قد يكون زرادشت، نبي فارس، مصدر حكمة اليونان عند الشهرزوري. حكمة فارس مصدر حكمة أرسطو طبقا لإحدى احتمالات الشهرزوري وطبقا لأستاذه السهروردي الذي نهل من أساطير فارس القديمة لتأصيل حكمة الإشراق.

34

وفي ملك بهمن الفاضل ظهر ديموقريطس. فالاحترام ليس فقط لملوك اليونان بل أيضا لملوك الفرس.

35

وظهر ديمقريطس وأبقراط في زمن بهمن الفاضل بن أسفنديار بن كستاشب. وعرف اليونان كتابتهم في ملك دارا بن أردشير. وولد أفلاطون في نفس الفترة. ومات قبل سنتين من وفاة أرسخو. وملك على بلاد مقدونيا فيلبس زمن أردشير الثاني. وولد الإسكندر سنة 13 من ملك أردشير. وعاش فيثاغورس زمان دارا الثاني. وقد نقل العرب القدماء الدواوين الفارسية قبل الحكمة اليونانية. فضرورة العمل سابقة على ضرورة النظر، وعند بعض المعاصرين أصل الحكمة العروبة، والعروبة أصل الأشياء.

36

وأول الحكماء آدم أبو البشر تأكيدا على تماهي النبوة والحكمة. فأول الأنبياء هو أول الحكماء، وأول الحكماء هو أول الأنبياء. فالحكمة مرتبطة بوجود الإنسان الأول. وبصرف النظر عن مكان إقامته على الأرض أو زمانه هو أول من استخرج العلوم والصنائع ودونها. كل ذلك بناء على توجه لا شعوري من آية:

وعلم آدم الأسماء كلها . تدوين الحكمة وإنشاء الصنائع، فالعلم وراثة جيلا وراء جيل.

وشيث ابن آدم عليه السلام كالأنبياء، هو أوريا الأول. وأغاثاذيمون أستاذ هرمس الهرامسة المسمى إدريس عند العرب، وتنتسب إليه الصابئة. فشيث هو ممثل الحضارات كلها، كما أن آدم ممثل البشر جميعا، مصري يوناني، عبري كلداني دون أن يتعدى الحدود إلى فارس. علم الصابئة جزء منه وجزء من يحيى. لا يقولون بحشر الأجساد، بل الأرواح وحدها. الفلسفة إذن أصيلة وقديمة، حروفهم نبطية، وكتابهم زبور مكون من مائة وعشرين سورة، وقبلتهم المقدس. ظهر بالشام أو صعيد مصر. وهذه تركيبة حضارية أولى تمثل وحدة حضارية واحدة في الشرق الأوسط القديم. وتقوم مبادئ شيث ومذهبه على المعرفة بالله والملائكة وحملة العرش، معرفة الخير والشر، الطاعة للملك الذي استخلفه الله في الأرض، بر الوالدين، المعروف بقدر الطاعة، مواساة الفقراء، التعصب للغرباء، الشجاعة في طاعة الله، العصمة عن الفجور، الصبر بالإنابة واليقين، صدق اللهجة، العدل، القنوع في الدنيا، الضحايا والقرابين شكرا لله على نعمه، الحلم وحمد الله على مصائبه، الحياء وقلة المماراة. وواضح من هذه المبادئ أنها تجمع بين أصلي التوحيد والعدل، والأخلاق الصوفية، والطاعة للحكام، والعلاقات الأسرية. إنما التعصب للغرباء هو الأمر الغريب الذي لا يتفق مع التوحيد والعدل وأخلاق الصوفية. واضح أن هذه تركيبة ذهنية، إبداع حضاري في صورة شيث. وربما هي آليات للتخفي لمذهب شيعي عن صلة الراعي بالرعية بالرغم من علاقة الطاعة، مجرد رؤية حضارية شاملة تعبر عن وحدة الحضارة البشرية في البداية قبل تنوعها.

37

شيث أول الحكماء، مصدر الحكمة والشريعة، وحدة الحضارات الأولى قبل أن تنقسم إلى حكمة يونانية وحكمة إسلامية. وإذا كانت فضائل المؤمن ست عشرة فضيلة، فأولها المعرفة بالله عز وجل وطاعته وقدسية الملائكة وحملة العرش.

38

ولا تهم الدقة في تاريخ الأنبياء وتسلسلهم، بل المهم هو النبوة كنمط، الأنبياء كنموذج. فلمن كان شيث ابن آدم نبيا ولم يتكاثر البشر بعد؟ وكيف يرسل إلى أورويا الأول ولم تكن هناك ممالك؟ وهل هو اسم مصري أو كلداني؟ ألم تكف تربية آدم لذريته؟ وهل نسيت ذريته تعاليم الأب كي يذكرهم الله بنبي جديد ولم تمض أجيال وأجيال بعد؟ وكيف تبدأ البشرية بزواج الولد بأخته أو الابن بأمه؟ والاعتماد على النصوص القدسية كلها خاصة التوراة والزبور التي تقص تاريخ البشرية، ومن البداية حتى النهاية مثل الاعتماد على القرآن.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١١٢