ورفعناه مكانا عليا ، فالرفع صورة قبل السيد المسيح. ولماذا لا يعيش في فارس أيضا ويسمونه أبنمهين؛ أي ذو العقل، كما يفعل أبو سليمان.
6
ويفترض صاعد أن هناك وحدة أولى للبشر، وحدة لغة، ووحدة دين، ووحدة حضارة. كان البشر وحدة واحدة قبل افتراقهم إلى لغات. فالشام والحجاز مع الكلدانيين، والعرب، واليمن. والسريانية لسان آدم وإدريس ونوح وإبراهيم ولوط. ثم تفرعت العبرانية والعربية من السريانية. ثم تغلب بنو إسرائيل على الشام وبلاد العرب والحجاز. وانزوي السريان إلى العراق. فتاريخ الشعوب السامية، بلغة العصر تاريخ واحد. كان البشر جميعا في دين واحد، الصابئة، وكانت الأصنام مجرد دليل على الكواكب؛ أي دين الطبيعة بلغة العصر، ثم تفرقوا لغة ودينا.
ونشأت الكتابة أيضا بحروف يونانية زمن أردشير أربعة وعشرين حرفا، ستة عشر حرفا كانت قبل ذلك في مصر. حملها من مصر قوم موسى وهي الحروف الفينيقية. وأزاد فالاميدس أربعة حروف، وأضاف سيمونيدس أربعة أخرى. فأول من وضع الكتابة أهل مصر ثم أهل فينيقيا. كما نشأ علم المساحة من مصر بسبب مقياس النيل. ساهمت كل حضارة بعلم طبقا لطبيعتها. اللحون والتأليف من اليونان، والحساب من فينيقيا، والطبائع من الشام، والطب وهو فرع للعلم الطبيعي من يونان والهند.
7
والموسيقى فارسية الأصل مثل آلة العود، في حين أن فيثاغورس هو الذي وضع الألحان. وعلم الاشتقاق «الأيطومولوجيا» مستمد من مصر. ويقارن ابن النديم بين الحروف اليونانية والحروف العربية صوتيا. واللغة الأرمينية هي اجتماع الرومية والعربية.
8
كان هرمس قبل الطوفان. وهو لقب مثل قيصر وكسرى، وتسميه الفرس أنيمهيد، جده جيومرث وهو آدم. تقول الحرانية بحكمته، ويذكر العبرانيون أنه أخنوخ، وهو بالعربية إدريس. فهرمس يمثل وحدة البشر الأولى بين الفرس والحرانيين والعبرانيين والعرب. وهو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية، علمه جده جيومرث ليل نهار. وأول من بنى الهياكل ومجد الله. وهو أول من تكلم في الطب. وألف لأهل زمانه قصائد وأشعارا في الأشياء الأرضية والعلوية؛ أي إنه أيضا أول الشعراء. وهو أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة في السماء من الماء والنار تلحق بالأرض. سكن في صعيد مصر وبنى الأهرام ومدائن التراب أي الجبانات ومدافن الموتى. وهو أول من خاط الثياب، ورفعه الله مكانا عليا. وخشي من ذهاب العلم بعد الطوفان فبنى البرابي وهو الجبل المعروف بالبربا بأخميم، تحته صور فيه جميع الطاعات وصور جميع الآلات. وخط صفات العلوم برسوم حرصا على تدوين العلوم خشية من الضياع. فهو مرتبط بالتدوين. لذلك ثبت في الأثر المروي عن السلف أن إدريس أول من درس الكتب، ونظر في العلوم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، من نسل آدم وشيث، هرمس الهرامسة.
9
وقد حكى عنه أبو معشر حكايات شنيعة لم يأت ابن جلجل إلا بأخفها مما يدل على أنه تحول إلى مجموعة من الأساطير الشعبية.
وهرمس الثاني بابلي من أهل كلدان. عاش بعد الطوفان، برع في الطب والفلسفة، وعرف طبائع الأعداد، وتتلمذ على فيثاغورس. هنا يبدو الكلدانيون تلاميذ اليونان، هرمس تلميذ فيثاغورس، واليونان هم الأصل.
10
وبابل مدينة فلاسفة الشرق الذين وضعوا الحدود والقوانين. وهم حذاق الفرس. وهنا تختلط بابل بفارس للقرب الجغرافي على شاطئ العرب.
وهرمس الثالث سكن مصر بعد الطوفان، وهو مؤلف كتاب الحيوان ذات السموم. كان فيلسوفا طبيبا عالما بطبائع الأدوية القتالة والحيوانات المعدية. يعرف طبائع أهل البلاد، وعالم بالكيمياء. خاط الثياب، وبنى الهيكل، ونظر في الغيب، وألقى القصائد، وبنى الأهرام، ووضع فيها كل العلوم والصناعات حفظا لها من الطوفان.
11
كما حل هرمس بمصر بعد أن أرسل الله الأنبياء إلى بابل واختلطت أحوالهم. سكن هرمس الهرامسة بصعيد مصر، وبنى الأهرام، وعاش في مدينة منف التي تبعد اثني عشر ميلا عن الفسطاط، والتي بها دار الحكمة قبل الإسكندرية. وهرمس تلميذ أغاثاذيمون العربي أو أنبياء مصر واليونان، أورويا الثاني، وإدريس أورويا الثالث. خرج هرمس من مصر وعاد إليها، ورفعه الله إليه. فالرفع إلى السماء كان عادة شرقية قبل عيسى. وكان أسقليبوس تلميذ هرمس المصري. وولد شيث بصعيد مصر أو الشام، وهما مركز الحضارة في ذلك الوقت وحتى اليوم، بر مصر وبر الشام. وتعني أغاثاذيمون السعيد. الجد هو شيث عليه السلام. عرف إدريس صفات النبي للناس. وهو كامل مستجاب الدعوة بمذهب صلاح العالم. قبلته على جهة الجنوب. وأحضر إلى الإسكندرية علوم الهند والصين وبابل إلى مصر.