23
واليونان موحدون بالله، لكنهم يتوسطون بالأصنام بينهم وبين العلة الأولى كالصابئة والعرب.
24
وفيثاغورس أخذ الحكمة من مصر؛ فمصر هي الأصل. أخذ منها الهندسة كما أخذها من سليمان في مصر، داخلا إليها من الشام، برا وليس بحرا، حيث تعلم من الكلدانيين أيضا. وعرف أن فوق العالم الأرضي عالما علويا نورانيا لا يدرك إلا بالعقل. فاليونان تلاميذ المصريين والأنبياء إما كطريقين مستقلين أو كطريق واحد، الأنبياء في مصر، ومصر في تراث الأنبياء، فالفلسفة اليونانية مصدرها مصري. فقد أخذ معظم فلاسفة اليونان حكمتهم من مصر، فيثاغورس، طاليس، أفلاطون، هيرودوت، أفلوطين، هرمس. ولا يهم من هي مصر تاريخيا. هل هي بلد العمالقة؟ هل العمالقة هم الفراعنة؟ لا يذكر اسم الفراعنة، بل القبط سكان مصر. وأحيانا يبدو المصريون أهل ذمة حتى وقت صاعد. وهل الإسكندرانيون يونان مقيمون في مصر، أم مصريون يتحدثون اليونانية؟ فمصر هي نشأة الحضارات، والمصريون أساتذة اليونان، والجنوب معلم الشمال، وليس كما هو الحال الآن الشمال معلم الجنوب بعد نهبه.
وأحيانا أقل أخذ الأنبياء حكمتهم من اليونان. فقد نقل الطب اليوناني إلى إبراهيم وعيسى والمسيح.
25
تعلم العلوم الطبيعية والإلهية من المصريين، وأخذ الهندسة منهم ورجع بها إلى اليونان. رابط الكهنة بمصر، وتعلم منهم الحكمة، وصنف لغة المصريين بثلاثة خطوط، العامة والخاصة، وهو خط الكهنة وخط الملوك. واشتاق إلى الاجتماع بكهنة مصر، فذهب إلى عين شمس وامتحنوه فقصر. وقبلوه كرها. ولما فشا ورعه أعطاه أماسيس سلطانا على الضحايا للرب لم يعط لغريب قط. ثم رجع إلى بلاده. هناك إذن مصر وفلسطين قبل اليونان.
26
كانت مصر منبع العلوم وأصل الحضارات، ومهبط الوحي والرسالات. ربما ولد فيها إدريس، هرمس الهرامسة. وأتاها أفلاطون وأرشميدس وفيثاغورس وطاليس متعلمين. كانت مصر مركز الحضارات القديمة، وجمعت الإسكندرية بين حضارات الشرق وحضارات الغرب، وحافظت مصر على التراث اليوناني من الضياع فيما عرف باسم مدرسة الإسكندرية، وفيها تم اللقاء بين الحضارات ونشأة العلوم. وإليها هبط الكلدانيون والكنعانيون على رغم من هجاء بعض الشعراء لها.
27
واليونان أكثر توحيدا وتنزيها وتقدما في الوعي الإنساني من عهد الهنود. وكانوا يستمدون علومهم من الله ومن القريحة؛ أي من الوحي والطبيعة التي تشمل العقل والفطرة.
28
فالحكماء أنبياء، والأنبياء حكماء. كان اليونان أيام الجاهلية قبل ظهور النصرانية على ما عليه الهنود من العقيدة. ثم فازوا بالفلاسفة الذين نقحوا لهم الأصول الخاصة دون العامة؛ لأن قصارى الخواص اتباع البحث والنظر، وقصارى العوام التهور واللجاج إذا خلوا عن الخوف والرهبة.
29
كان اليونان في القديم يوسطون الأصنام بينهم وبين العلة الأولى، ويعبدونها بأسماء الكواكب والجواهر العالية؛ إذ لم يصفوا العلة الأولى بشيء من الإيجاب، بل بسلب الأضداد تعظيما لها وتنزيها. فكيف يقصدونها للعبادة؟ ولما نقلت العرب من الشام أصناما إلى أرضهم عبدوها كذلك ليقربوهم إلى الله زلفى استشهادا بأفلاطون في المقالة الرابعة من النواميس.
30
وجالينوس في كتاب «أخلاق النفس» يذكر صنمهم هرمس. والصابئة عبدة الكواكب والأصنام، علماؤهم فلاسفة، وفلاسفتهم علماء، وهم محبو الحكمة التي تجمع بين الفلسفة والعلم. ولكن لما تنصر الروم منعوا الفلسفة وحرموا الكلام فيها؛ إذ كانت في الظاهر ضد شرائع النبوة. تحملت الفلسفة الدين في البداية ولم يتحمل الدين الفلسفة في النهاية.
31
وتتم أسلمة الوافد ككل، فالحكماء يبحثون في أوصاف الخالق الواجبة له، إما دهريون ويجحدون الصانع (طاليس)، وإما طبيعيون يبحثون في أفعال الطبائع مثل أصحاب الطبائع من قدماء المعتزلة. فمجدوا الله وعظموه وتحققوا بمخلوقاته. هنا ترد الفلسفة إلى الدين، ويصبح الحكماء من كبار المؤمنين بالله واليوم الآخر وبالبعث والنشور وما جاءت به الكتب على لسان الأنبياء.