تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

ويقارن بين العقوبات والسوط. وإذا ارتبطت السياسة بالدين فسد العالم، وإذا انفصلا صلح حال العالم. والتاريخ المقارن ليس تاريخا رصديا سرديا، بل هو أقرب إلى قراءة التاريخ لأنه لا تتم المقارنة إلا بناء على قراءة أحد طرفي المقارنة من منظور الآخر أو قراءة الطرفين من منظور ثالث يكشف في العادة عن أوجه التشابه أكثر مما يبين أوجه الاختلاف لأنه طرف ثالث وحدوي، يوحد أكثر مما يفرق.

ويبين البيروني السماوات السبع من أقوال يحيى النحوي وهوميروس الشاعر وأفلاطون لأرسطوطاليس.

20

الشعراء والأطباء والحكماء والأنبياء والقواد ساهموا جميعا في وضع حكمة واحدة. والحكمة والنبوة عند الشهرزوري من مشكاة واحدة. ويمكن عقد حوار بين محمد وعمر وأرسطو بعد فتح مصر. فالثلاثة متعاصرون فكريا وليس زمانيا. والمعاصرة ليست بالضرورة من الدرجة الأولى، المعاصرة الحسية المباشرة، ولكن من الدرجة الثانية؛ أي الفكرية المعنوية. وقد تكون أكثر عمقا ودلالة من المعاصرة الزمانية التاريخية.

21

ويضع الشهرزوري في بداية الحضارة البشرية الشعراء والأطباء والحكماء والأدباء والقواد أي مجموع البشر. ويضع المسيحية والمسلمين، العرب واليونان، الشرق والغرب في بداية تاريخية واحدة. غريغوريوس وباسيليوس رمزان للشرق والغرب، للدين والحكمة، للنبوة والفلسفة، للنص والطبيعة، لا فرق بين آدم وشيث من ناحية وبين أفلاطون وأرسطو من ناحية أخرى. الكل مسلم. وتعبر مجموعة الأمثال والحكم والمواعظ الصوفية الأخلاقية عن هذه الفلسفة الخالدة.

وكما يتكيف الوافد طبقا للموروث يتكيف الموروث طبقا للوافد، ويتحول الإسلام إلى كهنة وملوك ورعية وسياسة حتى يمكن المقارنة بينه وبين الحضارات الوافدة. وتبرز أهمية الحكمة والعقل كما تبرز أهمية السياسة والدولة. فالفلاحون كيمياء الأرض بالزرع والنبات لها حتى يمكن مقابلة اليونان، ومقابلة الوافد من فارس، كل ذلك في أسلوب شرقي معروف عن الأنبياء «والحق أقول لكم.» مع إعلان عن الجهاد، والحدود الإسلامية مثل حد الرجم. كل الحكماء إلهيون. وكل حكيم إلهي أخلاقي بالضرورة. ولا يوجد حكيم منطقي أو طبيعي.

22

وقد تحدث الرسول عن أرسطو كما تحدث أرسطو عن الرسول في حلم المأمون وفي الأحاديث المروية من الرسول عن أرسطو: «والله لو كان أرسطو حيا لكان أول أتباعي.»

وحكماء اليونان تلاميذ الأنبياء. فقد أخذ أنبادقليس الحكمة من لقمان. فهو من تلاميذه. وحكماء بحر إيجه تلاميذ أنبياء الشام. إلا أن أنبادقليس تكلم في خلق العالم ولم يعرف المعاد. فلا عقل بلا قلب، ولا فلسفة بلا تصوف، ولا نبوة بلا حكمة. لذلك انتسب أنبادقليس إلى الباطنية. وبطبيعة الحال ليس المقصود التاريخ بل الرؤية للعالم. فالتاريخ نمط مثالي يتحكم فيه الفكر وليس الزمان. الفلسفة اليونانية مصدرها عبراني ومؤسسها لقمان. ولما كان الإسلام وريث الأنبياء فإن الإسلام في تاريخه الطويل مصدر اليونان منذ آدم.

وأعظم فلاسفة اليونان خمسة: أنبادقليس، وكان زمن داود، آمن بخلق العالم، ولكنه قدح في المعاد، وأنصاره من الباطنية. وفيثاغورس تلميذ سليمان في مصر، تعلم الهندسة والطبيعة والدين والألحان من المصريين. وسقراط تلميذ فيثاغورس؛ أي تلميذ الأنبياء والمصريين، انشغل بالعلوم الإلهية وزهد في حياته. خالف اليونانيين في عقائدهم. أما أفلاطون وأرسطو فما زالا على عبادة الأصنام، وآراؤهما في المعاد ضعيفة. وفيثاغورس هو مؤسس الفلسفة اليونانية. أخذ منه سقراط ثم أخذ أفلاطون من سقراط ثم أخذ أرسطو من أفلاطون. حتى أرسطو فيثاغورسي. وهو تلميذ أفلاطون الأثير. وضع المنطق تعبيرا عن رياضيات فيثاغورس. وخلود النفس الذي عبر عنه أفلاطون في «فيدون» معبرا عن رأي سقراط أصله من فيثاغورس. وتكشف محاورة طيماوس عن عالم روحاني، عالم المثل العقلية، عالم الربوبية. وإن تصنيف أرسطو للفلسفة فيثاغورسي النشأة. فالفلسفة إما علومها؛ أي الفلسفة النظرية، التعليمية والطبيعية والإلهية؛ وإما أعمالها أي الفلسفة العملية، النفس والأخلاق والسياسة؛ وإما آلتها وهو المنطق.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١١٠