36
ويذكر تاريخ مولده ووفاته أو سنة حاسمة في عمره أو حدث كبير وقع له أو في حياته أو تحديد عمره دون بداية أو نهاية أو تحديد زمن النضج والرجولة وهو في الغالب سن الأربعين. عاش سولون سبعة وسبعين عاما، وبقراط خمسا وتسعين، وسقراط أكثر من مائة، وأرسطو ثمانية وستين عاما، والإسكندر ستا وثلاثين، ومهادرجيس ثمانين، وجالينوس سبعا وثمانين. ويذكر تلامذته وأساتذته وأصحابه خاصة لو كان رئيس مدرسة كما يذكر عصره، وعلاقته بالملوك والأمراء مثل ديوجينس والإسكندر، أرسطو والإسكندر. كما تذكر بعض نوادره وحكايته وأخباره وربما محنته مثل السجن والنفي والتعذيب والقتل.
والعنصر الثاني مؤلفاته، أعمالا وأقوالا، وهي التي يسهل قراءتها بعد ذلك في صورة آداب ومواعظ؛ أقواله وكلامه وحكمه ومشوراته. فمؤلفات فيثاغورس تصل إلى مائتين وثمانية كتب وأرسطو مائة يصنف طبقا لما هو شائع.
37
كما يبين أسلوبه ورموزه كما هو الحال عند فيثاغورس وهرمس وسقراط وأفلاطون. ثم يتلو ذلك آدابه، مواعظه، ومشاوراته، وحكمه وآدابه. تظل للأخبار الأولوية على الآداب.
38
وتختلف النسب بين الأخبار من ناحية والآداب والحكم من ناحية أخرى من حكيم لآخر. تغلب الأخبار على زينون وبقراط والإسكندر وجالينوس بينما تغلب الآداب والحكم على سولون وفيثاغورس وديوجانس وسقراطيس وأفلاطون وأرسطو وبطليموس.
39
ومعظم حكماء الشرق مع بعض حكماء اليونان أقوال فقط: شيث، أرميس، صاب، أسقليبوس، هوميروس، مها درجيس.
40
ويظهر الشعر كأحد وسائل التدوين، فالشعر ثقافة العرب.
41
ومختار الحكم جزء من مشروع أكبر لتدوين التاريخ.
42 (4)
ولما غاب التاريخ عن هذا النوع من التأليف سهل التأليف فيه فرديا وجماعيا، وضعا وانتحالا. فالقراءة خطوة متوسطة بين التاريخ والانتحال، بين النقل والإبداع. وهذا هو حال «فقر الحكماء ونوادر القدماء» لمؤلف مجهول من القرن السابع الهجري،
43
وهو طريقة الاقتصار على معرفة المعنى الخالد دون ذكر للتفاصيل والجزئيات في السيرة الذاتية وحياة الأشخاص، واستبعاد الموضوعي لحساب الذاتي، والتاريخ والسرد لحساب القراءة والتأويل، جمعا بين الأنا والآخر، وتمثلا لثقافة الآخر في إطار ثقافة الأنا، بطريقة الأنا وأسلوبه، النوادر والحكايات على لسان البشر والحيوانات، والأمثال والحكم التي يسهل حفظها واستيعابها وتكرارها ونقلها وتربية أجيال عليها. وقد استمر هذا النوع الأدبي ليس فقط في علوم الحكمة بل في علوم الأخلاق والسياسة؛ أي في الحكمة العملية.
44
ويبدأ بالحكم والأقوال ثم بالنوادر والحكايات، فالنظر يسبق العمل، والفكر يأتي قبل السيرة، والمبادئ العامة توضح قبل تطبيقها سلوكا في حياة الناس. وهي نفس العلاقة بين القرآن والحديث، بين القاعدة والتفصيل. والمؤلف ليس حكيما ولا من أهل التأليف ولا يعنى بالتصنيف مما يسمح له بالإبداع والاختراع. وربما كان تأليف جماعي تعبيرا عن وعي حضاري جماعي. ويبدو أنه من شعراء الدولة، أديب لم يشتغل بعلوم الفلسفة إلا على سبيل الثقافة العامة. تغلب عليه الصنعة اللفظية.
وقد تم الاقتصار على المشهورين من الفلاسفة، وهم عشرون، كلهم من اليونان باستثناء الأخير بزرجمهر من فارس؛ مما يدل على طغيان الغرب على الشرق. ويتكرر اثنان خطأ، زينون وذيبو الشاعر، وربما خلط بين زينون الأيلي وزينون الرواقي، بين زينون الصغير وزينون الأكبر، وأرطبوس وأرطبيق حيرة في رفع حرف السين باعتباره علامة الرفع في اليونانية مثل أرستب وأرستبوس. ولا يخضعون لترتيب زماني أو تصنيف، فهي مدارس، ولكن طبقا للأهمية من حيث الكم يأتي بزرجمهر أولا. فالجناح الشرقي قليل العدد عظيم القدر. ثم يأتي فيثاغورس في مقدمة اليونان باعتباره مؤسس الفلسفة والتي منها سقراط وأفلاطون، وربما أرسطو صاحب المنطق وواضع الأخلاق.